وتجرعت كأسك يا أمي


وتجرعت كأسك يا أمي



بقلم| الكاتب/ عبدالمجيد الذياب:

 

كان شارد الذهن … صامتا .. يرنو بنظره بعيدا .. خلف نافذة زجاجية مخترقا سواد الليل الهادئ … رجع بذاكرته نحو الماضي البعيد ليرتدي عباءة الذكرى السوداء .. اغرورقت عيناه بالدموع ولازال صدى صرخة أمه المتألمة عند وقوعها أرضا تخترق إذناه التي وضع كفيه عليهما مطأطأ برأسه ليخرج صوته المختنق الباكي راجيا … سامحيني يا أمي … (آه يا بني … أوجعت قلبي قبل جسدي) جملة اعتادت أم ابراهيم أن تقولها كلما امتدت اصابع الشر لتؤذيها … مات زوجها .. ترملت صغيره ليترك وراءه غرفة تدفع إيجارها وطفل رضيع تحمله معها خوفا عليه .. عملت في البيوت .. تخدم النساء .. تغسل الملابس وتكنس الأرض وتنظف المراحيض .. ( من أجل إبراهيم سأصبر ) كانت تمني نفسها بالأماني الخادعة لأجل رضيعها .. وكبر إبراهيم أمامها .. وكبرت معه أحلامها .. واقترنت الراحة مع كلماته لأمه ( سأكبر لأجلك .. وسترتاحين قريبا ) .. وفجأة سرقت براثن الشر المتخفية إبراهيم الحالم .. أحاطه أصدقاء السوء .. انجرف وراء تيار الرذيلة .. ليعيش زيفا حياة الأغنياء بالسرقة والتعاطي .. بكت أم إبراهيم .. فتعالى صوته ليسكت نحيبها واغتيال أحلامها .. ثم تعالت يده ليدفعها .. يعنفها .. حتى سقط في بئر العقوق .. دخل عليها مترنحا في منتصف الليل .. والشر يتطاير من عينيه وقد ذهب عقله وتمثل الشيطان أمامه يزين له طريقه .. وما ان سمع بكائها ودعائها حتى قذف بها بعيدا..لتسقط على رأسها والدم ينزف بغزارة ليغشاها … نام بجانبها غير مدرك لما فعل … وعندما استيقظ صباحا هاله ما رأى .. لقد كانت تنازع الموت .. أسعفها وهو يصيح أمي لاتموتي … أرجوك لاتتركيني .. وما أن وصلت عند بوابة المستشفى نظرت إليه بألم وحزن العالم يغشاها وقوارب أحلامها تتحطم أمام ميناء عينيها …لتمسك يده المرتجفة وتنظر لعينيه الزائغتين رعبا …وكأنها تقول له:- ( قتلت أحلامي قبل جسدي .. اغتلت أمنياتي قبل روحي .. ستتجرع نفس الكأس يوما يا بني … ) انتشلتها أيدي المسعفين .. وعيناها الدامعتان متسمرتان على تقاسيم وجهه النادمة … والباكية حزنا لتصور المشهد الأخير الذي تمثل أمام عينيه خمسين عاما ولم يفارقه لحظة … عاد الطبيب بعد لحظات كانت ملامحه لاتبشر بخير .. ثم أخبره بوفاة والدته التي قالت لهم قبل أن تلفظ أنفاسها … ( سقطت مغشيا علي فأنقذني إبني إبراهيم ) صاح قائلا (بل قتلتها يا دكتور ) … استدار الطبيب ليتركه غارقا في ندمه وبكاؤه وحزنه الذي يتجدد كل حين .. مرت السنوات ثقيلة على صدر إبراهيم … ماتت أمه بيديه القاسيتين .. قتلها بعقوقه .. أراد النسيان .. أراد الذوبان ليختفي أو التطاير كالرماد لتضيع أشلائه .. عمل في كل مكان لكن ذكراها الموجعة ظلت باقيه تدق وتد الحسرة في قلبه كل حين … هرب للزواج لعله ينسى .. فرزق بإبن أصبح كل عالمه التعيس .. ثم ازداد رزقا وثراء .. وأبناء ووجاهة .. فعل المستحيل لأجلهم وكأنه يعاقب نفسه بما فعله بأمه ويعوضه بأبنائه .. كان خائفا من المستقبل وما تحمله أيامه وما يخبئه قدره .. وما أن كبر الأبناء حتى تمردوا على والدهم .. وأغرتهم الحياة الرغدة التي يعيشونها معه فتقاسموها بينهم ليسكنوا القصور … ويسكن هو بيته الأخير في دنياه دار العجزة … وقف أمام إبنه مهددا .. متوعدا .. فمد يده ليدفع إبراهيم ويلجمه ويصمته جبرا وقهرا .. و( تجرعت كأسك يا أمي ) قالها باكيا .. فلاذ بالصمت الطويل وكأن الأيام أخرسته .. واستسلم لقدره فهو يستحقه .. قصة عقوق كتبها بيديه وخطتها أيامه .. ليرويها الأبناء عظة وعبرة للأخرين .. قام بصعوبة من كرسيه البارد الذي تسمر أمامه طوال ليله المتجمد ودموعه تنساب حزينة وقد حفرت مجراها على تقاسيمه الكهله يرافقه ذلك الغريب إلى فراشه وحيدا .. حزينا .. مكلوما … تدثر فراشه وارتفعت عيناه بصمت نحو السقف … وردد بينه وبين نفسه أمي إني أتجرع كأسك كل يوم .. فمتى تستردين دينك مني … أما آن أن تصفحي عني .. نام متعبا .. باكيا .. مهموما ونادما وصوت التسجيل الهادئ في القاعات والغرف يرتل الآيات الكريمة :- {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّل مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي} .


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *