النمو العكسي للعقول


النمو العكسي للعقول



بقلم| الكاتب/ ضيف الله نافع الحربي:

 

نحن بشر ولن نصل درجة الكمال ما حيينا ، نُخطئ ونُصحح ، نُذنب ونتوب ، نرتكب مالا نرغب ونندم ، هكذا هي تضاريس الحياة ، لكن الإنسان بطبعه وفطرته يبحث عن الهدوء في كل شيء ، لا أحد يرغب في الضجيج و وخزات (اللامرغوب) لأن في ذلك تعطيل حقيقي لدور الإنسان وإبداعه ما يجعله أقل فاعلية مقابل بالإمكانات التي يمتلكها ، لذا كل إنسان هو جزء من حياة الآخر ، وإن لم يكُن هناك رابط بين هذا وذاك ، وبالتالي من الصعب الإنعزال التام عن وسط الحياة الذي نعيش فيه ، ذلك الوسط المكتظ بالعقول المتباينة والأفكار المختلفة والطباع المتنوعة ، وهذا التفاوت أمر طبيعي ، ولكن الأمر الذي يصل حد القلق النمو العكسي للعقول والذي أصبح مُلفتًا للنظر ، فالبعض عجز عن الوصول للنضج الفكري أو أنه يسير ببطء نحو ذلك لأنه أثقل تفكيره وسيطر على سلوكياته ” بالسطحية ” فأصبح مجرد رقمًا إضافيًا يضاف إلى الأعداد المهولة من البشر على سطح الأرض ، ومثل هذا لا يُضيف لك شيئًا بل قد يسلب منك وقتك ويُهدر صفاء ذهنك ، ومع تزايد هذه العينات البشرية كاد لسان واقع الحياة أن ينطق (( مللنا السطحية ياساده )).

 

نعم مللنا السطحية ، مللنا تلك العقول الهشة التي لا تأتي بجديد و لا تُجيد طرحًا ، ولا تبني فكرًا ولا تُقيّم سلوكًا ، فكم تقع عينك ولو بالصدفة في مواقع التواصل على تغريدة أو نصًا لا تعرف له أول من آخر ، وقد اختلطت به المفاهيم وتناقضت ، ثم ذُيل بإسم صاحبه وتحته تعريفًا براقًا يفوق في عدد كلمات نصف كلمات النص وأنت وكل عاقل يعلم أنها ألقابٌ مزيفة لا أصل لها وغير معترف بها ولاعلاقة لصاحبه بالكتابة أو الفكر أو الطرح الذي يليق بالقارئ ، ولن يتوقف الأمر عند هذا وإلا لكان الأمر أخف قسوة على عقولنا ، لكن العجيب في الأمر حينا ترى الكم الهائل من المطبلين السطحيين الذي لا يُجيدون سوى ( الرتويت ) والردود المغلفة بعبارات الثناء الغير مستحق لشخص يعيث في الثقافة جهلًا.

نعم لقد مللنا السطحية ياساده ، ونحن نجد من يدفع المبالغ ليستقطب من يطبلون له ، ويجعلون منه بالونة ضخمة الحجم واهنة الجسد مشوهة المنظر ، فما أن يطرح تغريدة مشوهه إلا وتهافتت عليه الحسابات الوهمية لتعيد التغريد وترفع أرقام الرتويت وتساهم في نشر (سطحيته وضحالة فكره)، وكأنه لا يعلم أن الناس تعلم جيدًا أنه فارغ المحتوى ، وأن هذا ” اسمه حسابات وهمية تُشترى بمبالغ مالية من سماسرة مواقع التواصل” ويرفعون لك ما تشاء وبالقدر الذي تشاء وإن كنت لا تسوى قيمة مادفعت لشراء الوهم.

نعم لقد مللنا السطحية ، ونحن نرى من يتحدث بلغة الأنا حتى يملؤك بالتساؤلات من هذا الذي يتحدث عنه ؟ وأنت تعرفه وحقيقته جيدًا ، لكنه تقمص دور العظمة الوهمية وأصبح يرى نفسه بعدسة مكبرة وقد أعمى الله بصيرته وظن أن من حوله قد بلغوا من السذاجة حد تصديقه.

 

نعم مللنا ، لكننا لن نرضخ لأولئك السُذج لأن عقولنا لها حقٌ علينا أن نحترمها بردع أولئك بالكلمة حين يكون التفنيد لما يزعمون من وهم واجب علينا ، وبالتجاهل حين نرى أن المقام لايحتمل عقول بشرية سطحية تستنزف أوقاتنا.

 

همسة:

 

من أشد الابتلاء أن لاينضج عقلك وعمرك يزداد.


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *