مواقع التواصل ونصفنا المفقود


مواقع التواصل ونصفنا المفقود



بقلم| الكاتب/ ضيف الله نافع الحربي:

 

غُربة وماهي بغُربة ، جفاءٌ دون قصد ، وقطع رغم الوصل ، وعقوق للحياة رغم مظاهر البر التي نمارسها من باب الاعتياد ليس إلا ! هكذا تبدو يومياتنا شئنا أم أبينا ، تشابهت الأيام حتى أصبح لا فرق بين اليوم والأمس إلا قليلاً ، و فقد الكثير من الناس لذة التفاصيل ، ونسي البعض ملامح الحياة الطبيعية ( ماقبل ثورة الحياة الإفتراضية في مواقع التواصل الإجتماعي ) والتي أعادت تشكيل الحياة الإجتماعية بطريقة مشوهه من خلالنا وبمحض إرادتنا ، رغم الأصوات التي ارتفعت آنذاك مُنادية ومحذرة من عُزلة تتربص بالمجتمع ، حين قُوبلت تلك الأصوات إما بالتجاهل أو الاتهام بالتضخيم ، مازاد الفجوة اتساعًا ، والوضع تفاقمًا ، حتى أصبح لكل شخص عالمه الافتراضي الخاص ، وعزلته التي لا تتسع لسواه ، فتغيرت الأفكار وتباينت الأهداف بين أبناء الأسرة الواحدة ، والحي الواحد ، والمجتمع الواحد ، وتقلصت الروابط ما جعل الوصل ينحسر بسبب انتشار ثقافة الأنانية والاكتفاء بما لا يسد رمق حاجة النفس البشرية لمن يُشبع احتياجها في عالم يكتظ بالغُرباء الذين يعرفون بعضهم البعض جيدًا لكنهم يفتقدون اللقاء والإلتقاء.

 

لو سألت أحدهم كم ساعة في اليوم تقضيها مع جهازك المحمول ؟ ، لأجابك الكثير منهم ، ليس كثيرًا ! ربما ساعة أو ساعتين ، ظنًا منه أنها بالفعل كذلك ، لكنه بمجرد أن يعود إلى ذاكرة جهازه ويبحث عن ساعات الاستخدام لوجد أن الإجابة أكبر من ذلك بكثير وربما تجاوز البعض ١٢ ساعة في اليوم (أي نصف يومه ) ، وهذا أمرٌ خطير يعصف بنا ويستنزف أوقاتنا ويزيدنا عُزلة عن محيطنا ، نعم نحن نعبث بالحياة الطبيعية التي يجب أن نعيشها ، وهذا يجعل من الإنسان هزيلًا اجتماعيًا ، غير قادر على التفاعل مع الأحداث والأشخاص من حوله ، بعد أن انحصرت قدراته الذهنية والجسدية في التعامل مع الأجهزة الذكية ، وعلاقاته جميعها أصبحت افتراضية حتى وإن كانت مع أشخاص يعرفهم ، لكن اتصاله بهم وتواصله معهم يتم عبر وسائط افتراضية.

لانختلف أن التقنية أصبحت جزء من حياتنا وثقافتنا وأعمالنا وتطوير ذواتنا ، ولكن يجب أن لا تكون هي نافذتنا الوحيدة على الحياة ، وعلينا أن لا نرتضي أن تُكبلنا وتجعلنا رهائن لها طواعية ، فنحن جزء من الحياة الطبيعية ، والتقنية أداة ولا يجب أن تكون أكثر من ذلك حتى لا تسلبنا أنفسنا ، ولنثق تمامًا أن الفكر لا يُبنى إلا بممارسة الحياة الفطرية بالحديث المباشر بين الإنسان والإنسان ، والعاطفة لا تُغذى إلا بالتواصل الحسي المباشر بين الأفراد سواء على مستوى الأسرة أو المجتمع ، ولنحذر أشد الحذر من التحول إلى دُمى بشرية لا تتحرك إلا في نطاق الأجهزة الذكية.

 

همسة؛

 

الاكتئاب الإنطواء العُزلة الرهاب الإجتماعي النزعة الإجرامية ، جميعها نتائج حتمية لإدمان الأجهزة الذكية والمواقع الإفتراضية ، انتهى.


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *