الحس الإنساني الفاخر


الحس الإنساني الفاخر



[ما بعد الأخير]


بقلم| الكاتب/ ضيف الله نافع الحربي:

 

من الطبيعي أن يشعر الإنسان بألمه بحكم أن هناك اتصال مباشر بين الجسد والروح حسيًا ومعنويًا ، فما الألم سوى ردة فعل نتيجة ضرر لحق بجزء منه استنطق صمته وأثار الحُزن في ذاته ، ولكن أن نجد من يرتقي درجات الإنسانية حتى يصل أعالي الحس الإنساني الأكثر سموًا حيث الشعور بمعاناة الآخرين ومشاركتهم الحمل الذي أثقل قلوبهم وأجسادهم ليصنع النسيج الأشد متانة بين الإنسان والإنسان فذاك صنيعٌ فاخر مُغلف بالرحمة والإحسان لا يُجيده إلا النبلاء من بني الإنسان ، فمن عايش المعاناة وتجرع مرارتها لا يرجو سوى أن يجد من يُمسك بيده ويشدُ من أزره لا لينقذه بل ليقف إلى جواره بلمسة حانية أو كلمة تقع عليه كما يقع المطر على الأرض القاحلة فيرويها ، أو حتى ابتسامة تبعث له برسالة السلام والحُب بأبسط صورة ، وفي أضعف الأحوال فكف الأذى عن أولئك الذي أثقلتهم الحياة وتمزقت بهم السعادة خير كبير في موازينهم ، فلا مساحة في قلوبهم تستوعب مزيدًا من الأذى ، ولا طاقة لهم لينفضوا ما وقع عليهم من إساءة أو سوء تعامل من أشباه البشر والذين تجردوا من أبسط أدوات الرحمة.

 

لقد أصبحت الحياة اليوم أشد قسوة على الإنسان من أي وقت مضى ومظاهر ذلك متعددة ومتنوعة التفاصيل ، وهذا يجعل الإنسان أمام مسئولية إنسانية عظمى عليه أن يؤديها بدافع الرحمة ، وشواهد قسوة الحياة كثيرة وضحايا المعاناة في ازدياد ، ولعل أقرب مثال لمعاناة البعض أننا وقبل أيام دخلنا فصل الصيف المعروف بجفاف طقسه وارتفاع درجات الحرارة فيه ، ومن المواقف الملتصقة بذهني خرجت يوم الثلاثاء بعد الظهر وكانت درجات الحرارة عند 49 درجة مئوية ، وبمثل هذه الأجواء لايمكن لك الوقوف لأكثر من دقائق معدودة مع شدة هجير الصيف ، لم أكن أتوقع أن يسير تحت تلك الشمس كائن حي ، لكنني وجدت من افترش صفيح الأرض الساخن والتحف أشعة الشمس الحارقة مستقبلاً بضاعته من الخضار والتي لا تتجاوز قيمتها الإجمالية ٢٠٠ ريال ، يطلب رزقه الحلال بروح الإنسان القوي ، وغيره كثير ممن يفترشون الأرصفة في فصل الصيف الأشد قسوة ، ومن لا يرق قلبه لأمثال هؤلاء ويرحم ضعفهم ويخفف عنهم ولو بعلبة ماء بارد لا تكلف أكثر من نصف ريال فقد تخلى عن إنسانيته أو أن قلبه ناله شئ من التصحر فلم يعد يشعر بأخيه الإنسان.

 

وما هؤلاء إلا مثال واستشهاد حي لمن يعانون بصمت ويحتاجون لنا في تخفيف معاناتهم ، فديننا دين الرحمة وبلدنا بلد الخير ، نعيش بفضل الله حياة هانئة ومريحة لنكون يد عون لهم لا لننغمس في ما نحنُ فيه من نعيم حتى نغيب عن واقع أصحاب المُعاناة ، وما يُثلج النفس ويُبهج الروح أن من أبناء بلدنا من امتطى صهوة الإنسانية وسخّر وقته وجهده لرفع المعاناة طمعًا في الخير ولذة العطاء فقط لأنه يتمتع بالحس الإنساني الفاخر.

 

همسة:

 

الرحمة روح الإنسانية.


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *