صناعة الإنسان


صناعة الإنسان



[في أروقة البنوك]


بقلم| المستشار/ عدنان كلكتاوي:

 

قيل في الروايات بأن الفساد مرض وآفة , سُقْم , ووباء يصيب المناطق «الحارة» , إلا أننا بتنا نشاهده يتوطن في المكاتب المخملية «المكيفة» . فبتنا نشاهد مشاهد مضللة ظاهرها التقية وباطنها فاسدون ضد الفساد، ، ومنحرفون ضد الرذيلة؛ فالإفراط في الثقة أدى إلى ظهور ما يمكن تسميته بالتحايل الذكي على الأنظمة والسياسات والإجراءات . أتصور بأن الوقت قد حان كإجراء استباقي في قطاعات الاعمال العامة والخاصة لتصميم أدوات لقياس جدارات النزاهة فبها يمكن التعرف على الدوافع السلوكية لدى الافراد وما يمكن أن تدفع اليه .. فلا يمكن أن تدار الأمور على العواهن.

 

إذا ما تساءلنا عن سر تفشي ظواهر الفساد في بيئات الاعمال كافة في ظل وجود إدارات متخصصة للالتزام Compliance تضبط بحرفية تطبيق السياسات والإجراءات المنصوص عليها من قبل الجهات المشرعة للقطاع وفي ظل وجود إدارات التدقيق الداخلية audit والخارجية مروراً بوجود إدارات المخاطرRisks …. ثلاث قنوات رقابية متواجدة أضيفت اليها إدارات الحوكمة الرشيدة Governance في كل قطاع أعمال عام أو خاص تعمل بجد وكفاءة عالية في سبيل رصد المخالفات والتصدي لها ….

 

لكان الجواب ……

 

إنه دهاء ومكر الانسان . إنها دوافع السلوك التي لم تقاس منذ البداية . فتلك هي المنطقة الرمادية في بيئات الاعمال التي يصعب التنبؤ بها . فالإنسان كائن حي متغير الطباع قد يضعف أمام المغريات التي تحيط به ويتحول إلى مارد شرير يتصرف بإرادة الشيطان .
مشكلة كافة قطاعات الاعمال أنها لم تهب أخلاقيات العمل القدر الكافي من الاهتمام فأكتفت بالأعمال الإجرائية والاحترازية دون التركيز في من يدير تلك الاعمال وكيفية “صناعته” من نفس تراقب ذاتها بذاتها تفعل بدون أوامر ما يفعله الغير خوفاً من العقاب …..
في (الغرب) يبهرنا الالتزام ويبهرنا السلوك ويبهرنا التصرف ويبهرنا التقيد بالأنظمة تبهرنا شعوب تتسم بانسيابية الالتزام والتقيد دون رقيب سوى الذات.

 

اصنعوا الانسان …. فالنزاهة رقابة ضمير قبل كونها رقابة نظام . تحولوا من مراحل العقاب على السلوك السيء إلى التحفيز ومكافأة السلوك الحسن . امنحوا أوسمة النزاهة عن كل عقد من الزمان يعمل من خلاله الموظف دون الضلوع في جرائم مخلة بأخلاقيات العمل . ادرجوا أخلاقيات العمل ضمن عناصر تقييم الأداء خلال العام . اعلوا شأن العمل بنزاهة عوضاً عن التركيز فقط على الخبرات والمؤهلات . سلطوا الأضواء وضعوا القيم والسمات السلوكية المدرجة ضمن وثيقة السوك الوظيفي تحت دائرة التشخيص . عرفوا “باللغة والاصطلاح ” معنى النزاهة ومعنى تضارب المصالح ومعنى الإعلان المضلل والوضوح والشفافية وتطبيقاتها في بيئات الاعمال معنى الولاء والانتماء ومعنى سرية المعلومات … ومن ثم قيموا الأداء السلوكي للموظف وفق علم الجدارات ومقاييس الأداء السلوكية استنفروا في تضخيم أخلاقيات الاعمال . استثمروا فيها فتلك تجارة لن تبور.

 

يقول وارن بافيت رجل الاعمال الشهير عندما تبحث عن توظيف أحدهم ابحث عن ثلاث خصال .. النزاهة والذكاء والحيوية وإن لم تتوفر الأولى سيقتلك ما بعدها.

فيا صناع القرار في قطاعات الاعمال اصنعوا الانسان فالفساد عم البلاد.. وخالها ……


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *