تضاريس النفس البشرية


تضاريس النفس البشرية



[ما بعد الأخير]


بقلم| الكاتب/ ضيف اللّٰه نافع الحربي:

 

للحياة لغة منطق وفلسفة أعمق من تجاهلها ، وللإنسان نهج وسلوك يتأرجح ما بين المرونة التامة أقصى اليمين ونقطة فقدانها في الأقصى الآخر من خط التعامل الإنساني ، وما الاعتقاد الذي يُشير إلى أن النظائر المتشابهه أمر سائد إلا اعتقاد خاطئ تمامًا ، فأنا لا أُشبهك وأنت لا تُشبه غيرك ، وإن كانت العاطفة أحيانًا تُداعب الجزء الأكثر ضعفًا في قلوبنا وتوحي لنا أن ثمة تشابه مع هذا أو ذاك، لكن الحقيقة “لا أحد يُشبه أحد” ولكل ذات خارطة مختلفة وتضاريس نفسية متباينة ، وإن تشابه بعض السلوك فتبقى الدوافع مختلفة ، والقناعة البعدية ستتغير من شخص لآخر ، ما يؤكد خُرافة النسخ البشرية المُتشابهة بشكلٌ كلي أو حتى جزئي ، وما يحدث حقيقة هو أن الأفكار تتقارب والرؤى تتطابق في ظل ظروف ومعطيات تخص موقف ما ، لكنها قد تتقاطع وتتنافر ذات الرؤى عند موقف آخر ما يثبت أن لا تشابه حد التطابق بين الذوات البشرية.

 

و الاختلاف بين البشر بحد ذاته ليس أمرًا سيئًا ، والتطابق التام فيه سلب للكثير من إيجابيات التفاوت ، فحين نختلف سنبذل المزيد من الجهد الفكري الذي يُمهّد لصناعة منطقة تتسع لنا جميعًا ، يعزز ذاك النهج الأفكار التي تخلق الحِراك الثقافي بين الناس ، وصوتها وإن ارتفع لن يصل حد النشاز في قواميس من يعي أهمية وحرية الفكر الإنساني الذي يجب أن يكون حرًا يُحلّق أينما شاء وكيفما يشاء مالم يتجاوز المحظور الذي تُجمع عليه ثقافة الوسط المعتدل بفكره وعقيدته ، ثم ماالذي يمنع أن نصنع منّا كيان مستقل بذاته وفكره وطباعه وصفاته ، حتى لا نذوب تمامًا في قوالب الآخرين تحت تخدير الإعجاب أو الإنبهار الضرير بما لدى هذا أو ذاك ، ونحنُ بأيدينا الاقتباس المباح الذي تنشده مساحات الطموح بأرواحنا.

 

يقول المفكر العراقي وعالم الإجتماع علي الوردي رحمه الله (( ونحن نتطلب من الفكرة أن تجاري طبيعة الناس بدلاً من أن نتطلب مجاراة الطبيعة للفكر)) ، لو توقفنا قليًلا مع هذه الرؤية الفذة سنصل لحقيقة ربما تكون ضبابية لدى البعض ، غائبة عن البعض الآخر ألا وهي أننا ودون قصد نحاول أن نُشبه أشياء لا تُطابقنا ، متجاهلين خصائصنا وتركيبتنا الإنسانية المختلفة عن غيرنا ، وعند المنحنى الفكري الخطير قتلٌ للنسخة الوحيدة منّا ، ومصادرة سافرة لذواتنا الثمينة ، ففي الوقت الذي تمنحنا الحياة فرصة ثمينة لنُصبح أفضل ونترك بصمة لايُجيدها سوى نحن ، نُهدر تلك الفرصة ونحن تحت وطأة البحث عن ذواتنا المستقلة في ذوات أخرى لايمكن أن نكون فيها ، فينسكب العمر هدرًا وتتساقط السنوات قبل خريفها ، ويجتاحنا شعور الغربة الذي يسلبنا أجمل ما فينا.

 

همسة:

 

ما بين سهول السعادة و وعورة العثرات ستكون أنت بتضاريسك التي خُلقت لها حيث لا يشبهك أحد.


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *