الإعلام الحديث وأدوات التأثير


الإعلام الحديث وأدوات التأثير



[ما بعد الأخير]


بقلم| الكاتب/ ضيف اللّٰه نافع الحربي:

 

في وقت مضى ، وخلال حقبة زمنية ليست بالقصيرة ، كان المذياع سيد الزمان ، وعلاقة الوصل والاتصال بين المواطن العربي البسيط وغير البسيط مع العالم من حوله ، و ما عزز تلك المكانة العالية له أن القائمون على الإذاعة آنذاك يدركون جيدًا أن بناء الثقة بين الوسيلة الإعلامية والمُتلقي يجب أن تكون في أفضل حالاتها ، والدواعي لبناء مثل تلك الثقة ضرورة مُلحة ، فثقافة و وعي ومتطلبات المستمع في ذلك العصر كانت صلبة بالقدر الذي قد يُفشل كل مشروع مستحدث لايحترم قيمه وقناعاته وتطلعاته ، فكان المحتوى المُقدم يوازي بل ويفوق أحلام بسطاء الزمن الجميل ، لتبدأ علاقة ناعمة مع الأثير الجديد حتى أصبحت الإذاعة مصدر الخبر الموثوق والثقافة الآمنة التي تُلبي حاجات أفراد المجتمع ، لأنها تبث برامجها بوعي عالي فلا يُبث المحتوى إلا بعد تدقيقه وتمحيصه دينيًا ولغويًا وثقافيًا ، ومن استقطع من وقته واستمع لكبار السن سيخبرونه عن بعض تلك البرامج التي كانت تُبث وينتظرون مواعيدها الأسبوعية بشغف وكيف أنها كانت الوسيلة الإعلامية الأجود التي لعبت دورًا رئيسيًا في إعداد المجتمع لمواكبة مستجدات الحياة والثورة العالمية في كافة المجالات والتي ما لبثت طويلاً حتى أصبحت واقعًا ملموساً.

ومع التطور المتسارع للتقنية وتنوع البث أصبح المحتوى الإعلامي مرئيًا ومسموعًا ، وتوسع الإعلام المقروء و تطورت أدوات التأثير الإعلامي مع تعدد أهدافه وتوجهاته الإيجابية والسلبية حتى أصبح المجتمع عاجزًا عن مواجهة قوة التأثير فكان الأثر جليًا في ثقافة الشعوب والأفراد لاسيما مع الفضاء المفتوح والمتاح بكل سهولة ، وفي ظل هذا الزخم الهائل فقد بعض الإعلام مصداقيته التي اكتسبها على مدى سنوات حين كانت الوسائل محدودة والأهداف مقننة و واضحة ، ما جعل ردة فعل المتلقي معاكسة لخط سير وسائل الإعلام الغير مسئولة ليقتنص المواطن أقرب فُرص استقلاليته وتنازله عن كرسي المتابعة وكأنه يعلن اعتزال الإعلام الموجه، ليُصبح هو الإعلام، وصفحاته الشخصية على مواقع التواصل هي الوسائل الإعلامية التي يوجه من خلالها ما يُريد ، بعدما كان مُتلقيًا لسنوات طويلة أصبح مُلقيًا ومتحدثًا في مساحة لامحدودة وأمام الملايين من المتابعين.

 

واليوم ومع تدشين الإنسان البسيط لدوره الإعلامي بأيسر السبل وتقديمه بأفضل الوسائل (مواقع التواصل) على الإعلام الرسمي أن يعترف بوجود المنافسة وأن يتوقع بجدية أكبر، احتمال سحب البساط من تحته بشكل كلي ، فما عاد المذياع متصدرًا ولا التلفاز متسيدًا ولا الصحف بذات الهيمنة القديمة ، وعلى إعلامنا أن يُصافح إعلام الأفراد الذين يملكون أدوات التأثير وكسبوا ثقة من يتابعهم وصنعوا فارق التميز بينهم وبين الوسائل التقليدية ، و الإشارة هنا للأشخاص الذين يُجيدون تقديم محتوى إعلامي جيد وهادف وإيجابي وليس مشاهير الوهم الذين يسوّقون السخافة ويتهافت عليهم من لا يُجيد التفريق بين المحتوى الإعلام والإعلاني ، ثم على مؤسسات الإعلام أن تدرك جيدًا أن الوقت ليس في صالحهم وأن الغد القريب قد يقذف بهم خارج نطاق التأثير الإعلامي.

 

همسة:

 

مفهوم الإعلام تغير وأدواته تعددت ، وربما يأتي اليوم الذي لانحتاج فيه إلا لمواقع التواصل كمصدر للخبر والتقرير والثقافة بعد أن رجحت كفتها .


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *