مهارة قيادة الرغبات


مهارة قيادة الرغبات



[ما بعد الأخير]


بقلم| الكاتب/ ضيف اللّٰه نافع الحربي:

 

ما بين الضرورة والاحتياج والنزوة ، تتولد الرغبة و هي جزء من جسد الإنسان وجزء من روحه، بل قد تكون جزء من مصير البقاء ، لذا لن يستطيع أحدًا أن يتعالى عليها ، مهما بلغ من القدرات والمقومات ، فبعض الرغبة ضرورة بقاء، وهنا تفنى جميع الأقوال والأفعال التي تحاول إنكار سطوتها ومدى تأثيرها في تسيير الإنسان في بعض المواضع والمواقف ، حين تقود الرغبة الجسد والعقل لا إرادياً ، والحديث هنا عن رغبة الضرورة النابعة من متطلبات الجسد كالحاجة للطعام والماء.

 

ويبقى مجال الرغبات الإنسانية واسع جدًا ، وتعداد أنواعها يطول ، فلكل إنسان ميول وحاجات تخلق وتحدد نوع الرغبة وترسم مسارها ، و من هنا يبدأ دور الشخص في توجيه رغباته و وضعها على ميزان التقييم والتشخيص ، فليس كل رغبة مشروعه ، وليست جميع الرغبات آمنة ، وتلك هي المرحلة الأهم والأخطر (مرحلة الصراع) مع الرغبات ، فإن لم يكن الشخص يملك مهارات ترويض الرغبات وتهذيبها وإعادة توجيهها ، فسيكون في مكان التابع للرغبات تقوده إلى حيث المجهول ، مُكبلاً بنهم الاستزادة من نشوة الرغبة ومدعوماً بصوت (اللامنطق) الذي يؤدي في نهايته إلى حيث تكون التهلكة والنهاية الغير محمودة لصاحبها ، لاسيما في زمن الشبهات التي تلف محيط الرغبات ، وتزايد الغموض الذي يحيط بما ترغبه النفس وتخشى عواقبه.

 

و في ظل هذا الخطر الذي ينبع من داخل الإنسان ويزداد خطورة حين نمنحه الضوء الأخضر لقيادة الحياة ، يتوجب على الحاذق أن يقود رغباته بحزم وقوة ، فالرغبة كالطفل (يريد كل شئ) غير مبالي بماهيته ونهايته وعواقبه ، يجذبه البريق الجميل الموافق لرغبته ، وإن كان السم أحيانا يُدس في العسل ، والشوك يتربص بالأنامل الباحثة عن الورد ، هذا وفق قاعدة الوقاية المرتكزة على مبدأ أن ليس كل جميل في ظاهره يعكس ما خلف كواليسه ، وهذا ما يجعل من مهارة قيادة الرغبات أمراً مُلحًا ويتطلب إنساناً منطقياً يستطيع الموازنة بين الحاجة والضرورة والوسيلة ، فليس كل ما تحتاجه ضرورياً ، وليس كل وسيلة لتحقيق الحاجة مشروعة ، وهنا يبرز الشخص القائد لذاته ورغباته الحريص على نهايات أنيقة يتحقق فيها المراد وتلبي الرغبة وتشبع الحاجة دون محظور.

 

وكم هو مؤسف بحق حين نرى أن معظم الكوارث الإنسانية على مستوى العلاقات بين الناس وأخلاقيات البشر ، هي نتيجة قيادة الرغبات والنزوات للإنسان وليس العكس ، فنجد أن الرغبة في الانتقام تقود الشخص للمزيد من إيذاء من حوله ، ونار الحسد تجعل رغبة زوال النعمة عن الآخر أُمنية سوداء تقلب حياة الحاسد إلى جحيم ، عطفاً على تلك الرغبات التي تقودها النزوات والغرائز الجسدية إلى مالا تحمد عقباه ، أو النزوات الفكرية واِتباع هوى الرغبة وتسليم العقول لمن نصبوا أنفسهم لمُعاداة الوطن وتجييش العقول التي لاتملك التمييز بين صواب الصديق وسم العدو ، وما هذا إلا نتيجة حتمية لمن جعل رغباته في المقدمة وسار خلفها دون بصيرة.

 

همسة؛

 

الرغبات حق مشروع حين تكون داخل دائرة المنطق ، وإلا فهي نزوات تختصر لك النهايات المؤذية.


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *