هكذا تُبنى ثقافة الإنسان


هكذا تُبنى ثقافة الإنسان



[ما بعد الأخير]


بقلم| الكاتب/ ضيف اللّٰه نافع الحربي:

 

هو الإنسان الذي أكرمه الله بالوجود و هو محور الحياة وركيزة البناء ، وجد ليعمُر الأرض ، يتعلم ليُعلم فكان العلم هو أسمى رسالة وأثمن غاية ، يُخطئ ليرى الصواب فيُصحح الخطأ طواعية بثقافة الفطرة التي فُطر عليها ، لم يُخلق عالمًا بل خُلق ( لا يعلم شيئًا ) ، لكن خُلقت معه الرغبة والدافعية والضرورة لتطوير ذاته بهدف التغيير ، وما الشعوب التي تعاقبت على تاريخ البشرية منذ وجود الإنسان لأول مرة وحتى اليوم سوى كُتل ثقافية لها ثقلها وطاقات أحدثت الأثر ببراعة ، واليوم نحن نرى إنسان العصر الحديث وقد أصبح الأيقونة الأبرز على مر العصور ، وصل بالعلم مراحل لم يسبقه لها أحد ، أحدث التغيير لذي لم تعهده البشرية في حقب زمنية تُعد قصيرة عند مقارنتها بتاريخ البشرية الذي يمتد لأكثر من ٧ آلاف عام مضت ، صنع له ثقافة مرنة قابلة للتأقلم مع كل جديد سواءً فرضه الواقع عليه أو استحدثته الضرورة ، ولا غرابة أن يُشكل الإنسان بيئته الفكرية قبل البيئة المادية الملموسة المتمثلة في كل ما يمس حياته ومعيشته ، فالبناء الفكري هو (الساس المتين ) الذي تستقيم فوق أكتافه بقية تفاصيل الحياة البشرية الأُخرى.

 

ولأن ثقافة الإنسان جزءٌ من هويته ، وتركيبته الفكرية ، هي التي تُحدد خط سيره وتعامله، وبالتالي هي الأداة الأهم والأبرز التي تصنع فكره ، ولما تحتله ثقافة الفرد والمجتمع من مكانة بالغة الأهمية تعددت الأقوال والمقالات على لسان الفلاسفة والمفكرين ، ومن أجمل ماقيل منها عن الثقافة ( أن الثقافة تعبير عن الحياة ) فمن يملك مهارة التعبير عن الحياة بكافة أشكال التعبير وليس التعبير بمفهومه التقليدي الوصفي ، بل التعبير بالسلوك أو الشعور فقد تمكن من مفاصل الحياة وأمسك بخطام الثقافة ، وليس هناك أبهى من ترجمة الشعور أيًا كان وتقديمه على الملأ في قالب له خصوصيته المرتبطة بهوية وفكر مترجمه ، فكم من أشخاص تحدثوا عن مشاعرهم بثقافتهم الخاصة فأذهلوا كل من أنصت لهم أو قرأ ما سكبت أفكارهم ودونت أقلامهم ، ومن الأقوال المؤثرة والمأثورة في الثقافة أيضاً (أعلى مراحل الثقافة الخلقية التي يمكن الوصول إليها هو إدراك أن علينا التحكم في أفكارنا ) وهنا وجه آخر للثقافة و إشارة عميقة ومؤشر إنساني غاية في الذكاء يتمثل في التحكم والسيطرة على الأفكار بعيدًا عن الفوضى الفكرية التي لا ينتج عنها سوى السلبية التي تعصف بأدبيات الفكر والحياة.

 

وعليه فثقافة الإنسان لا تُبنى بالحفظ أو التلقين ، ولا تُقاس بمقدار ما تملك من معلومات في مجال أو عدة مجالات ، بل تُبنى بالإدراك لأهمية الثقافة والإيمان بضرورة أن يكون لديك بصمة ثقافية خاصةٌ بك وفلسفة لا يعتنقها سواك ، فالحياة على سبيل المثال لن تستمتع بها مالم تتمتع بثقافة السعادة ، والحُب لن تُكتب له الحياة مالم تعتنق القلوب ثقافة العطاء دون مقابل ، والفنون بكافة أشكالها لن تستطيع تذوقها مالم تتخلص من شوائب البؤس التي تحول بينك وبين جماليات ما حولك ، والقائمة تطول ، وبعد هذا نخلص إلى أن الثقافة سلوك وبصمة لايتقنها سوى المُحب للحياة الحريص على أناقة الفكر وجودة الفكرة التي تصنع التغيير للأفضل ، وإن تشدق أصحاب النظرة السطحية والوصف الهامشي للثقافة بتعاريف واهية للثقافة بعيدة كل البعد عن العمق الأهم للإنسان.

 

همسة:

 

الثقافة أن تتمتع بالحب لما حولك وتتعامل مع الأشياء بثقافة القبول أو الرفض الأنيق.


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *