أدبيات المواجهة


أدبيات المواجهة



[ما بعد الأخير]


بقلم| الكاتب/ ضيف اللّٰه نافع الحربي:

 

ما بين الصمت عن الخطأ ورفع صوت الحقيقة مهارة دقيقة تتمثل في قراءة الواقع وتقييم الموقف وإتخاذ القرار المناسب حيال أحد الخيارين الأشد صعوبة ، وما نجده اليوم من تفاقم للمشكلات وتطورات غير متوقعة ناتجة عن الفعل وردة الفعل ليس إلا غيابٌ لأدوات ومهارات التعامل مع من حولنا ، وخللٌ بيّن يُشير إلى ضعف التواصل الناضج بين العقول والمعتمد على قراءة الشخصية المقابلة قراءة أكثر عُمقًا ، فليس بالضرورة أن يكون خلف الوجوه البشوشة وأصحاب الكلمات اللطيفة عقول ناضجة وشخصيات تتمتع بالعمق الكافي لتقبل آراء الآخر ، وليس بالضرورة أن يكون حُبنا لهذا الشخص أوالمكانة الكبيرة لذاك شفيعًا ليكونوا بحجم اللحظات التي تضع الإنسان على محك دقيق عند النقاش أو المواجهة سواء كان من ذوي القربي أو من تربطنا بهم علاقة صداقة أو زمالة ، وقد يكون الخذلان مصير ينتهي عنده البعض ، و في أحيان أُخرى قد يكون الخلل لدينا نحن ، وكما قيل الظروف الصعبة ومنعطفات الحياة هي وحدها من تقيم البشر تقييمًا عادلًا ، فهل نحن على استعداد لتقبل الشخصيات الحقيقية التي تقبع خلف شخصياتهم المعتادة لنجتاز اختبار الظروف ومواقف الحياة.

 

ومع هذا الغموض الطبيعي الذي يُحيط بشخصيات البشر كما ذكرت آنفًا ، تزداد الحيرة ويتولد الخوف أحيانًا قبل أن نتخذ قرار المواجهة مع شخص لا نُريد خسارته وفي الوقت ذاته نُريد أن نوجه له رسالة أو مجموعة رسائل تتعلق بعيوب كرهناها فيه و قد تشرخ العلاقة معه ولا بد من تصحيحها ، أو إشارة إلى سلوك أو طبع يزعجنا ، وهنا تبرز شجاعة العقل والعاطفة معًا ، فمن يُريدك ويؤذيه أن تكون دون المأمول سيواجهك بمالديه ويمنحك فرصة النور لترى عيوبك ، قد تختلف المسميات ، وتتعدد ما بين المواجهة أو المكاشفة أو المصارحة ، ولا بأس فالمعنى والمضمون واحد ، الأهم هو أن تكون المواجهة والمكاشفة في نطاق الأُلفة لا تخرج عنها قيد أنملة ، حتى لا تدخل في محظور تصيد الأخطاء أو تصفية الحسابات أو حتى الإنتقام ، وحتى تحقق أهداف المواجهة ، على قدر عالي من الأهمية أن تتمتع بأدبياتها ، فلا تنتقي الألفاظ القاسية فتنّفر المتلقي ولا تُكاشف في جمع فتجرح الأرواح بالفضح والتشهير ، كُن لينًا في العتاب مُبتدئ بالثناء مبديًا الإعجاب ببقية الصفات والمناقب الحميدة ، حتى تُمهد للقبول وتُلقي على الأرواح تحية النقاء ، ثم لا تقل ما تشاء بل قل ما تُريد بقدر محدود وتأكد أن جرعات الدواء قليلة جدًا.

 

قبل كتابة هذا المقال سألت عدد من الأقارب والأصدقاء والزملاء سؤالين حول المكاشفة بهدف استطلاع الآراء من خلال نقاشات ودية : هل تخشى المواجهة ؟ هل تعتقد أن المواجهة ثقافة يجب أن نتحلى بها لأنها من أدوات التعامل الضرورية ؟ ، فكانت الإجابة على السؤال الأول أن ٨٠ ٪؜ منهم يخشون المواجة خوفاً من خسارة الشخص الآخر ، وخوفًا من النظرة السلبية حين تواجه أحدهم بعيوبه ، وعلى النقيض فإن جميع من يخشون المواجهة يعتقدون أنها ثقافة هامة ويجب أن نتحلى بها لتكون الحياة أفضل ، ومن هنا تتضح الفجوة بين ما نُريد ونخشى تحقيقه وبين ما هو واقع مغاير لرغباتنا.

 

همسة:

 

المواجهة الإيجابية : أن تغلّف ما يزعجك من صفات أحدهم بكلمات الحُب وتُهديها لمن تُحب على طريقة الأحاديث الدافئة .


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *