خارج المألوف


خارج المألوف



[ما بعد الأخير]


بقلم| الكاتب/ ضيف اللّٰه نافع الحربي:

 

غالبًا ما تجد النفس البشرية الأمان داخل نطاق المألوف ، فلا حيرة تُشتت الذهن ، ولا أسئلة غامضة تخلق القلق من غياب الإجابة ، فكُل مألوف قريب من الإنسان بأمر الفطرة البشرية ، والمألوف هو ما ألفته النفس واعتادت عليه بكافة المستويات ، سواءً العادات أوالتقاليد والثقافة والاقتصاد حتى على مستوى لُغة الفكر ومحتواه هُناك مألوف وغير مألوف ، ولأن السائد أحيانًا قد يُكسب الخطأ شرعية غير مستحقة فليس كل مألوف هو الصواب والعكس صحيح ، ومن هُنا ينشأ الصراع المتنامي بين أنصار مألوف جرت العادة عليه ومستحدث لم يعتاده الناس ، لتبدأ حُقبة الإنقسام الفكري مابين مُتشدد منتمي لفكرة ولد وهي معه وبين مُتطلع للتغيير الذي يرى أنه المخرج الوحيد الذي يُغير مسار الخطأ الذي ارتدى حُلة الصواب بأمر المألوف فقط ، وفي المقابل أيضًا فهُناك مألوف لايجب الخروج عليه تحت أي حُجة أو ذريعة لأنه مُنصف للمنطق والعقل وجمع بين العادة الحسنة والصواب الذي لا يقبل الطعن أو التشكيك.

 

طرح العالم ألبرت أنشتاين سؤال للنقاش : هل المكتب أو المكان الفوضوي الذي يستخدمه شخصًا ما يدل على عقل فوضوي أيضًا ؟ أجريت على أثره أبحاث في جامعة مينيسوتا الأمريكية أثبتت : أن على الرغم من الفوائد الكبيرة للبيئة المرتبة سواء على مستوى الأداء أو العائد النفسي، إلا أن الدراسة أثبتت من خلال اختبار أُجري على مجموعة من الأشخاص يجلسون في مكان مرتب وآخرين يجلسون في مكان فوضوي ، فكانت النتيجة أن عدد الأفكار المقترحة من الشريحة المستهدفة حول السؤال المطروح عددها متساوي ولكن الأفكار الخاصة بأصحاب الغرف الفوضوية كانت أكثر إبداعًا وابتكارًا ، وهذا ليس تشجيعًا وتعزيزًا للفوضى بقدر ماهو استشهاد أن خارج المألوف أحيانًا قد يكون صحيًا وقد يكون مُنتجًا بشكل أفضل.

 

والآن هل خصصت من وقتك جزء تتأمل خلاله مألوفاتك التي ألفتها في ذاتك أو في محيطك ومجتمعك ، هل جميعها صلبة حد الإبقاء عليها دون تغيير لأنها تستحق البقاء داخل نطاق المألوف ، أم أن الوقت قد حان للقذف بها بعيدًا إلى خارج المألوف ، ستجد الإجابة حين تصل اليقين أن العالم يتغير ويتوجب عليك أن تواكب التغيرات من حولك ، فالبقاء في مكانك وكل ما حولك يتحرك يسلب منك روح الحياة التي لا يُثبت وجودها إلا بالتغير الإيجابي ، ولعل المتابع لمنصات الحراك الفكري في مواقع التواصل الإجتماعي يُدرك يقينًا الكم الهائل من معارك التباين الثقافي بين أنصار المألوف وغير المألوف حسب ثقافة ومعطيات وقناعات كل طرف من أطراف النقاش والصراع الذي سيتمخض عنه ذات يوم تغيير شبه كلي في قائمة المألوف على مستوى المجتمع بأكمله.

 

همسة؛

 

ماتراه مألوفًا لايعني أنه كذلك حتمًا ، وحتى تتأكد من صحة مألوفك عامل الغير مألوف بحيادية.


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *