دارٌ بلا جار


دارٌ بلا جار



[من كل بستان زهرة]


بقلم| الكاتبة/ عائشة عسيري (ألمعية):

 

أوصى اللّٰه سبحانه تعالى ثم رسوله “صلى اللّٰه عليه وسلم” بالجار خيراً فقال تعالى { وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِۦ شَيْـًٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًا وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلْجَنۢبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا }.

 

وقال الرسول اللّٰه” صلى اللّٰه عليه وسلم” ((ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)) متفق عليه.

 

وقال عليه الصلاة والسلام ((لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه)).

 

وقال ((إذا طبخت مرقاً فأكثر ماءها ، وتعاهد جيرانك)).

 

كان الناس في الماضي، يولون أمر حُسن الجوار أهميةً كبرى.

 

وكم قرأنا في كتب الأدب  من قصصٍ تحكي حُسن  الجوار والتمسك بالجار الطيب، وتقديم اختيار الجار قبل الدار. 

 

من ذلك أن أبا الجهم العدوي أُعطي في داره بالبصرة مئة ألف درهم فقال لهم وبكم تشترون مني جوار سعيد بن العاص قالوا وهل رأيت جواراً يُشتري قط قال والله لا بعت داراً تجاور رجلاً إن غبت عنه سأل عني وحفظني في أهلي وإن رآني رحب بي وقربني وإن سألته قضى حاجتي وحياني وإن لم أسأل عنه عطف علي وبداني والله لو أعطيت فيها ملأها ذهباً ما اخترته عليه ولا نظرت إليه ، فبلغ ذلك سعيداً فبعث إليه بمئة ألف درهم.

 

 وقال الحسن البصري ليس حسن الجوار كف الأذى ولكنه الصبر على الأذى.

 

وقيل في مدح الجار الحسن الجوار:

 

إني لأحسد جاركم بجواركم … طوبى لمن أضحى لدارك جارا
يا ليت جارك بأعنى من داره … شبراً فأعطيه بشبر دارا

 

وقيل في ذم الجار المسيء:

 

يلومونني أن بعت بالرخص منزلي
ولم يعلموا جاراً هناك ينغص
.
فقلت لهم كفوا الملام فإنما
بجيرانها تغلو الدار وترخص

 

ذلك أن سعة الدار وجمال بنيانها، وكثرة مميزاتها،  لاتعني تحقق الراحة والسعادة للساكن إذا ماكان جاره جار سوءٍ وصاحب أذى. 

 

كما أنا جميعاً نعرف المثل القائل:

 

الجار قبل الدار. 

 

لكن في عصرنا الحالي بات الكثير يشتكي من سوء علاقته بجيرانه، أو فتور تلك العلاقة في أحسن الأحوال. 

 

وصرنا نحن إلى علاقات جوارٍ طيبةٍ ودافئةٍ كتلك التي كانت في الماضي، والتي كان الجيران فيها بمثابة العائلة الواحدة، يعرفون كل شيء عن بعضهم بعضاً.

 

همهم واحد، وحزنهم، واحد، وفرحهم واحد.

 

إذا ذبح أحدهم ذبيحةً قسمها على جميع جيرانه ولا يبقي منها إلا غداء أو عشاء أهل بيته. 

 

وإذا ذهب للسوق اشترى بعضاً من الفواكه والحلوى البسيطة المتوفرة هديةً وطُعمةً لهم لأنه تيسر له الذهاب للسوق بينما لم تتح لهم الظروف فعل ذلك. 

 

أبناؤهم يلعبون سوياً كإخوةٍ ، وإن دب شجارٌ  بينهم تدخل أي جارٍ منهم لفض الشجار وحتى لمعاقبتهم على حدٍ سواءٍ كما لو كانوا جميعاً أبناءً له دون تمييزٍ، ودون أن يغضب منه أولئك الصغار، أو أباؤهم

 

الآن صار الجار يُهرب الطعام تهريباً حتى لايراه جاره.

 

ثم يرمي الفائض منه في القمامة ، دون أن يشعر بالذنب أو الخجل من نفسه أو من جاره.

 

ولو نهج نهج السابقين ، لكان ضرب لجاره بسهمٍ قل أو كثر،  ولما اضطر لرمي الفائض من الطعام في القمامة.

 

ولأرضى ربه ثم جاره، ولكسب مودته، وجميل جواره، ووطد علاقته به.

 

حينما خالفنا أمر ربنا ونهج نبينا، وعادات أبائنا وأجدادنا صار الجوار  مجرد كتلٍ اسمنتيةٍ متلاصقةٍ، وقلوبٍ متباعدةٍ ، وأخلاق ضيقةٍ ، وعلاقاتٍ متوترة، أو فاترةٍ،  وأصبح داراً بلا جارٍ يثمن قيم الجوار،  ويؤدي حقوقه العظيمة،  وإلى اللّٰه المشتكى.


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *