فن الرسائل، وقيمتها


فن الرسائل، وقيمتها



[من كل بستان زهرة]


بقلم| الكاتبة/ عائشة عسيري (ألمعية):

 

ظهرت الرسائل، وعرف الناس المراسلات منذ العصور القديمة، ففي القرن الرابع والعشرين قبل الميلاد، استخدم القائد الروماني ماركوس أنطونيوس، الحمام الزاجل لأول مرة في نقل الرسائل لأغراض حربية ،وذلك عند محاصرة جيوشه للقائد بروتس في مدينة”مودينا” إلا أن اكتافيوس الثالث كان على اتصال دائم مع بروتس للإطلاع على صموده من الحصار، من خلال الرسائل التي كان يرسلها له بواسطة هذا الطائر.

 

وعرفها العرب في مطلع القرنين الثالث والرابع الهجريين.

 

كانت الرسائل مقتصرةً على الخلفاء وقادة الجيوش، وولاة الأمصار، وأنشأوا لها ديواناً خاصاً بها أسموه بـ(ديوان الرسائل) ، وعينوا فيه خيرة الكُتَّاب في زمنهم، وكانت تقوم على أنماطٍ أدبيةٍ رفيعةٍ، وأسلوب متميز ومن أشهر كتاب الرسائل في العهد الأموي( سالم مولى هشام بن عبدالملك ، وعبد الحميد الكاتب) والأخير أبرع كتاب هذا الفن حتى قيل:

“بدأت الكتابة بعبد الحميد”

 

ومن كتاب العصر العباسي برز (خالد البرمكي، وابنه جعفر، وابن العميد، والصاحب بن عباد)

 

ثم بعد ذلك أصبحت كتابة الرسائل شيئاً يمارسه كل من أجاد القراءة والكتابة، وبشكل عام للجميع.
في أدبنا العربي برز أدب المراسلات بين النخبة من الكتاب والمثقفين منذ الرسائل الإخوانية في العصر العباسي، وصولاً بمراسلات مي زيادة، وجبران خليل جبران، والرافعي في رسائل أحزانه وحتى هذا العصر خاصةً المراسلات بين الشعراء وهي الأكثر بروزاً للعامة.

 

ثم حلت التكنولوجيا والمراسلات الإلكترونية محل الرسائل الورقية، وأصبح يطغى عليها أحياناً الإيجاز، وضعف الأسلوب، وفقدت الكثير من جمال فن المراسلات الذي كان سائداً في الماضي.

 

أضحى الجميع يكتب الرسائل، وفي أي موضوعٍ ، ولأي سببٍ ، وبأي صيغةٍ، حتى لو كانت تعج بالركاكة، والأخطاء النحوية، و الإملائية.

 

وصار بالإمكان إرسالها في أي زمانٍ ، ومكانٍ ، وبمنتهى السرعة، تصل لمتلقيها.

 

وإن كان في بعض هذا التطور من إيجابيات، إلا أننا نجد في المقابل الكثير يحن إلى زمن الرسائل الورقية، المكتوبة بخط مرسلها، والمعطرة بروحه، ولعل في تأخر وصولها للمرسل إليه، ثم تلقي الرد منه، لعل في ذلك زيادةً في قيمتها، فيحتفظ بها كما لو أنها كنز من كنوزه الخاصة به.

 

ومما يزيد أو ينقص من قيمة الرسائل في كل عصر وأوان مضمونها، و مصدرها الذي أتت منه الرسالة، فقيمة الرسالة من قيمة المُرسِل، فتفرح بها إن جاءت ممن تنتظر أو ترغب في مراسلته، ومعرفة أحواله، والاطمئنان عليه، وتنفر إن جاءتك من شخصٍ بغيضٍ إليك، أو جاءت حاملةً أخباراً سيئةً وماشابه ذلك.

 

إن وصول رسالةٍ إليك مدعاة لقفز قلبك إما فرحاً، أو ارتباكاً،أو فضولاً، وقد تكون أحياناً سبباً لكسر قلبك، أو خيبة أملك للأسف.

وتظل الرسائل وسيلة تواصل هامة عبر كل العصور ، مهما تغيرت أدوات إرسالها، ومهما تغير أسلوبها، واختلف محتواها.


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *