إدراك العاطفة المنعطف الأهم


إدراك العاطفة المنعطف الأهم



[ما بعد الأخير]


بقلم| الكاتب/ ضيف اللّٰه نافع الحربي:

 

لن تستطيع إقناع عاقل أن بناء الإنسان بناءٌ جسدي فقط يعتمد على الشراب والغذاء والدواء كما يظن البعض ويعتقد أصحاب النظرة القاصرة ، حتى أن البعض أصبح يتباهى ويمُن على رعيته الصغرى (الأسرة) أنه قد وفرّ لهم كافة متطلبات الحياة من مأكل ومسكن و وسائل ترفيه وغيرها من الأدوات الحياتية التي تحقق حاجة جزء من الحياة وليس جميعها ، مُتجاهلًا البناء الأهم الذي يصنع عاطفة الإنسان ليُخرج لنا كائن قادر على ممارسة الإنسانية يُجيد الإستمتاع بوجوده و وجود من حوله يُدرك جيدًا أن سعادته جزءٌ لايكتمل إلا بمشاركة محيطه تلك السعادة ، وهذا لن يتحقق للإنسان إلا بوجود من يقوم على تنشئة العاطفة بداخله وغرس مبادئ الحُب والتعايش والتمازج العاطفي ، وقد أثبتت الدراسات أن الإنسان يولد جسدًا بلا عاطفة في بداية حياته ، ولعل أول درس عاطفي يتعرض له في حياته وإن كان لا يُدرك تفاصيله ذهنيًا الإهتمام والعناية به حفاظًا على حياته بدافع عاطفة الحُب والإنسانية ، ليتولى بعد ذلك تدريجيًا اكتساب العاطفة مع تعدد المواقف ذات الصبغة العاطفية المتعمدة أو العفوية.

 

وما بين الإنفعال (وهو التفاعل بين طرفين) والإستجابة تولد لدى الإنسان عاطفة ، وليس شرطًا أن تكون تلك العاطفة إيجابية وفي هذا تفصيل عميق وخطير ، فكما أن الحُب عاطفة فالكره أيضًا عاطفة والغيرة والكذب والحقد والخوف والتضحيات والإيثار جميعها عواطف نتجت عن بذرة غُرست بقول أو فعل مباشر أو غير مباشر ، فترسخت في هذا الإنسان أو ذاك لتُصبح جزءًا منه ، ولتأتي بعدها المرحلة الأهم وهي إدراك الإنسان لتلك العاطفة واستشعارها وحين يصل الإنسان حد الإيمان بمشاعره وعواطفه فذلك بمثابة التدشين الحقيقي لها وتفعيلها عمليًا على أرض الواقع من خلال التعامل المباشر وبالتالي التأثير بها كأداة تعامل والتأثر كجزء من تركيبة الإنسان العاطفية.

 

وبعد هذا نجد إن الإنسان السوي عاطفيًا هو من كان محظوظًا بوالدين يُقدسان الحُب ويتعاملان به ، أهم أدوات تعاملهما الإحتواء ولاسواه ، ثم يأتي العامل الأهم والذي يعود للشخص ذاته كيف يفسر وينظر للإنفعالات من حوله والتي تُمثل سلوكيات الآخرين في التعامل معه أو فيما بينهم ، وهذا الأمر قد يحصل في عُمر متقدم فالبعض يكتسب عاطفة سلبية أو إيجابية وهو في الخمسين من عمره وهذا ما نراه جليًا في التغير المُفاجئ لدى بعض الأشخاص سواءً كان تغيرًا محمودًا أو مذموماً فكم من حياة هُدمت بعد عمر طويل بسبب عاطفة خاطئة أُكتسبت والعكس ، وكم من أسرة آمنة مستقرة تشتت على يد فرد من أفرادها يملك القرار وقد تشبع بالفوضى والعاطفة السلبية المُدمرة ، وهذا أمر وارد الإحتمال لاسيما أن الدراسات العلمية الحالية تقترح “أن العاطفة جزء أساسي من اتخاذ قرارت الإنسان وتخطيطه للحياة” ، وهذا ما يؤكد أن صاحب القرار يتخذه بجزء من عاطفته إيجابية كانت أو سلبية.

 

همسة:

 

البناء العاطفي هو الركيزة الأساسية لصناعة الإنسان القادر على بناء الحُب الفطري الذي يكفل للفرد وللمجتمع حياة تنبض بالحياة لا حياة تغشاها الموت البطيء.


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *