أين صار العيد؟


أين صار العيد؟



[من كل بستان زهرة]


بقلم| الكاتبة/ عائشة عسيري (ألمعية):

 

عندما كنت صغيرة،  كانت أمي تضع الحناء في يدي ، في الليلة التي تسبق العيد وأنا نائمة.

 

  كانت تفعل ذلك لأنها تعلم أني أحب الحناء، وأبتهج عندما أستيقظ صباحاً وأنا متزينةً به، كدليلٍ واضحٍ على وصول العيد الذي طال بي انتظاره.

 

كنت أسألها طيلة أيام شهر رمضان قائلةً: 

 

أمي متى يأتي العيد،  فتجيبني:

 

قريباً .. قريباً سيأتي. 

 

وكلما طال بي الإنتظار أكثر، وكلما أوشكت أيام وليالي رمضان على الانصرام،  ألححت عليها في المسألة أكثر ، وزاد شغفي بقرب مجيء العيد،  فأكررسؤالي عليها: 

 

 أمي،  أين صار العيد،  فترد علي مبتسمةً:

 

لقد أصبح في الوادي،  فأكاد ساعتها أطير فرحاً ، وأركض صوب الوادي القريب من منزلنا، بعدما أخبرت اخوتي بأن العيد قد صار في الوادي.

 

 ننتظره حتى تغيب علينا الشمس ،فنعود محملين بأمل رؤيته في الغد، وماهي إلا سويعاتٌ ويأتي العيد،  ذلك الضيف المنتظر بشوقٍ لا مثيل له. 

 

بالكاد أستطيع النوم في  تلك الليلة من شدة الفرح، بأن غداً هو العيد.

 

وفي الصباح أستيقظ  على صوت أمي وهي تناديني بقولها: 

 

هيا أستيقظي اليوم عيد، ويا لفرحتي وقتها. 

 

أركض صوبها لتمشط شعري، وأرتدي بعد ذلك فستاني،  وأتأمل احمرار الحناء في كفي، وأنتظر قدوم أقاربي للمعايدة. 

 

أجزم أني كنت وقتها من أكثر الناس سعادةً فوق الأرض. 

 

اليوم ، وبعدما كبرت تلك الطفلة تبدلت الأدوار.

 

أصبحت أنا من تضع الحناء في يدي أمي، وتمشط شعرها، وغابت عني  كثير من الوجوه التي أحببتها وألفتها في طفولتي،  من أقارب وجيران ومعارف.

 

بهت العيد بفقد من نحب، إما بموتٍ، أو بُعدٍ.

 

حتى حلوى العيد لم نعد نستطيب طعهما كما كنا أطفالاً، لا أعلم هل تغير طعهما حقاً، أم أن الحياة بمرارتها أفقدتنا روعة طعمها. 

 

ويبدو أنه كلما كبرنا تضاءلت مساحة الفرح في قلوبنا كثيراً، وزادت علينا أعباء الحياة.

 

أصبحتُ الآن أبحث عن جرعات من الفرح في العيد،  من خلال وجوه الأطفال الصغار، فأضحك لضحكاتهم، وأنظر لجيوبهم الصغيرة المكتنزة بالحلوى، فأشعر بالسعادة تملأ قلبي رغم كل شيء. 

 

لذا يا أيها الكبار،  يامن سرقت الحياة منكم فرحة العيد، بهمومها،  وأحزانها،  وفقدها، ومتاعبها،  وأعبائها، استعيروا أنتم أيضاً الفرح في يوم العيد.

 

 استعيروه من عيون، وشفاه، وقلوب صغاركم، أو كل طفلٍ ترونه ضاحكاً مسروراً في ذلك اليوم. 

 

اضحكوا لضحكاتهم،  شاركوهم بعضاً من ألعابهم، لتستعيدوا بعضاً من طفولتكم الراحلة، وبهجة العيد الآفلة من قلوبكم بعدما كبرتم.

 

أهدوا لهم الفرح بتقديم الهدايا وقليلٍ من المال،  ليشعروا بإنهم أصبحوا كباراً مثلكم.

 

وأدعوا اللّٰه أن تدوم فرحتهم، وأن  يغمر قلوبكم ، بالفرح والبراءة، والراحة مثلهم ، لتعيشوا بهجة العيد كما يعيشها الأطفال.


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *