الآثار وذكاء الإستثمار


الآثار وذكاء الإستثمار



[ما بعد الأخير]


بقلم| الكاتب/ ضيف اللّٰه نافع الحربي:

 

لكُل أمة من الأمم تاريخ من الصعب تجاوزه بسهولة ، وللتاريخ صوت يرتفع كلما زاد ارتباط الأمة بماضيها والإعتزاز بتاريخها ومآثر من سبقوهم ، ولأن العصور القديمة لكافة الأمم لم تكُن محظوظة بالتقنية التي نتمتع بها اليوم ، ولا التوثيق الذي أصبح اليوم أيقونة بارزة تنقل للأجيال القادمة أدق تفاصيل اليوم ، لذا فالتوثيق الوحيد اليتيم للحضارات القديمة بقايا آثارهم الملموسة على أرض الواقع ، التي سلِمت من بطش الظروف المناخية والطبيعية و التي قليل ما يسلم منها أثر أو معلم تاريخي ، وقد اندثرت الكثير من الحضارات واختفت العديد من المعالم الهامة ، والقليل منها لازال صامدًا يُدلي بشهادته على التاريخ ، لذا كان لعلم الآثار حاجة ماسة وأهمية بالغة دولياً ، سواءً على مستوى الدول أو المنظمات الدولية كلجنة التراث العالمي في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) والتي تُعنى بإدراج أبرز المعالم التاريخية ضمن قائمة تراث العالم والتسويق لها والإهتمام بها والحفاظ عليها ، وبلادنا بفضل اللّٰه سبحانه وتعالى حظيت بكثير من المعالم المسجلة في تلك المنظمة ، ولدينا الكثير لازال قيد الإنتظار لينضم إلى ركب العالم الحضاري والثقافي.

 

لن أتحدث عن مدائن صالح أو عين زبيدة أو أخدود نجران أو حتى القصور والقلاع المتناثرة على خارطة تاريخ بلادنا فقد أخذت تلك المواقع حقها الذي تستحقه بفضل اللّٰه سبحانه وتعالى ثم توجيهات قيادتنا الحريصة على آثار التنمية السياحية ، فلدينا المزيد من تلك المواقع والآثار التي لاتزال تسكن الظل بعيدًا عن الاستثمار الذكي لتلك المواقع وعلى وجه الخصوص المواقع التي تتعلق بالهوية الإسلامية لبلادنا ما يجعلها محل اهتمام وعناية المسلمين في كافة بقاع الأرض كطريق الهجرة على سبيل المثال والذي يمتد لأكثر من ٤٠٠ كلم ، وأماكن المعارك والغزوات الإسلامية التي بالإمكان استثمارها وبناء خارطة سياحة إسلامية لرحلة الهجرة من مكة إلى المدينة وتوفير وسائل نقل ملائمة لمن يرغب بالإطلاع عليها.

 

ومن المواقع الإستراتيجية التي تستحق الاستثمار لما لها من قيمة تاريخية عطفًا على ما تتمتع به من مقومات استراتيجية مُحفزة ، مآثر حليمة السعدية مُرضعة الرسول صلى الله عليه وسلم والتي قدم إليها الرسول مع مرضعته في بداية حياته ، وذُكر ذلك في العديد من المراجع التاريخية ، وهي تلك القرية التي تقع في بلاد بني سعد جنوب الطائف ( ٧٥ كلم جنوباً) وتبعد عن مكة المكرمة (١٥٠كلم ) ولعل أهم ما يميزها الجو المعتدل في فصل الصيف بخلاف الأجواء الحارة التي تجتاح العالم في تلك الفترة وهذا عامل استقطاب للزائر ، ربما بعضنا يجهل تلك المنطقة لكن الحاج والمعتمر والزائر القادم من خارج المملكة يأتي ولديه معلومات كافية عنها وهذا ماذكره الكثير من العاملين في مجال نقل الحجاج والمعتمرين والتعامل معهم ، وبالفعل زار تلك المنطقة خلال السنوات الماضية الآلاف منهم ، ولكن غياب البنية التحتية والتوعية وتجهيز المكان ، فسح المجال أمام بعض الزائرين لممارسات شركية وبدعية من باب الجهل ما استدعى أمر مستشار خادم الحرمين أمير منطقة مكة بالقضاء على مسببات تلك التصرفات المرفوضة ، والآن الفُرصة لاتزال سانحة لتهيئة هذا الموقع التاريخي من خلال إنشاء مجمع سياحي متكامل ( فندق – منتجع ) ومرافق خدمية ومكتب إرشاد سياحي وآخر للإرشاد والتوعية الدينية ، لتنويع الاستثمار وتنمية المنطقة وما سنتج عنه من إحداث وظائف لأبناء المنطقة الحريصين كل الحرص على تحديث وتطوير آثار وتاريخ منطقتهم ، وإتاحة الفرصة للراغبين في زيارة المنطقة والإطلاع على جزء من تاريج الأمة الإسلامية ، وأظن أن هذا لن يبقى حُلم لوقتٌ طويل وبلادنا ماضية في تحقيق الرؤية الفتية وتطوير الاستثمار السياحي بقيادة هيئة السياحة والتراث . فهل نرى من ديار مرضعة الرسول منطقة تاريخية حديثة تستقطب الآلاف من المهتمين بالآثار كل عام ؟.

 

همسة:

 

آثارنا تاريخنا وهويتنا وماضينا العريق الذي نستمد منه التحفيز لبناء مستقبل يليق بنا وببلادنا.


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *