أدب الإعتذار


أدب الإعتذار



[من كل بستان زهرة]


بقلم| الكاتبة/ عائشة عسيري (ألمعية):

 

بدءًا من أبينا آدم ،وأمنا حواء، عليهما السلام، اللذين نهاهما ﷲ عن أكل الشجرة المذكورة في القرآن، فعصياه وأكلا منها، وحتى آخر إنسان على وجه الأرض، سيظل الخطأ قريناً للإنسان.

 

لكن كما فعل أبوانا ( آدم و حواء عليهما السلام ) ، فعلينا نحن أبناءهما أن نقتدي بهما، وننهج نهجهما في الاعتذار عن الخطأ.

 

قال تعالى: {… وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ * قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ }.

 

وفي هذه الحياة،وبمخالطة الناس_ بأطابعهم،وأفكارهم، ونفسياتهم المختلفة_ لايسلم الإنسان من أن يُخطيء في حق غيره، أو أن يُخطيء غيره في حقه،

 

لكن العبرة تكون فيما بعد الخطأ، ومقدار الخطأ، ومدى تقبل المخطىء للتقدم بالاعتذار، ومدى تقبل المُعْتَذَر منه، للإعتذار المقدم إليه.

 

هناك من يملك شجاعة الاعتذار، والإقرار بالذنب، ولايستنكف أبداً عن أن يعتذر حين يخطىء.

 

وهناك من يكابر، ولا يقر بذنبه، بل بعض الناس يدعي المظلومية، وإن كان هو ظالماً، لأنه لا يعترف بخطئه، ظناً منه أن ذلك ينتقص من قدره، ويقلل من شأنه، ويمكن خصمه منه، وذلك لعمري من ضعف شخصيته المتوارية وراء ستار الكبرياء.

 

وفي المقابل، هناك من يُخطىء أحد من الناس عليه، فيغفر له حتى من قبل أن يعتذر، وإن أعتذر أحدٌ منه هش له وبش، وهون عليه الأمر، وأشعره بأنه لم يرتكب خطيئةً في حقه تستحق الاعتذار منه ، وأن قلبه صافٍ عليه، لاحقد فيه ولا غل.

 

وهناك من يتعجرف، ويتعالى على المُعْتَذِر منه ، ويهينه برد اعتذاره، وقد يتطاول عليه بالفعل أو القول، وهذا ليس من شيم الكرام أبداً، وقد تدور الأيام فيكون في محله، ويطلب الصفح منه أو من غيره فلا يجده؛ ويعتذر فلايُقْبَلُ عذره.

 

وكيف لايقبل الإنسان معذرة أخيه الإنسان، وﷲ جل في علاه يقبل معذرة عبده منه، وهو الغني عن ذلك كله.
فهو يحثنا على العفو والصفح عن بعضنا بعضاً.
قال تعالى: { وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ }.

 

وقال تعالى: { وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ }.

فالله يعلمنا تدرجات العفو بين الخلق، حتى يصلوا إلى حق أن يغفر الله لهم جزاء مغفرتهم لإخوانهم.

 

إنه تهذيب، وتربية للنفس البشرية على فضيلة العفو والمسامحة.

 

ويكفي أن الاعتذار دليل الاحترام بين البشر، وهذا عنصرٌ لايجب التغافل عنه ولا تجاهله أبداً.

 

و لنا في رسول اللّٰه “صلى ﷲ عليه وسلم” ، أسوةٌ حسنةٌ، فقد كان أعظم قدوةٍ في قبول الاعتذار من المخطىء، عندما دخل مكة فاتحاً، وهو في موقف قوةٍ وتمكنٍ من خصومه، حينها قال له سهيل بن عمرو بن عبد شمس، متسائلاً عن مصير كفار مكه:
ما أنت صانعٌ بنا؟!
فقال “صلى اللّٰه عليه وسلم”:
( أخٌ كريمٌ وابن أخٍ كريم، اذهبوا فأنتم الطلقاء).

 

وأعتذر بدوره “صلى ﷲ عليه وسلم” من الصحابي (أسود بن غزية) في معركة بدر، حيث كان بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم عود سواكٍ، وبينما هو يمر بين الصفوف ليعدلها، رأى أسود متجاوزاً للصف، فضرب بطنه بالسواك قائلاً:
(اعتدل يا أسود بن غزية)، ولكن أسود لم يدع الموقف يمر دون أن يطالب الرسول عليه الصلاة والسلام بأن ” يقديه _ أي يقتص منه ” فقال:
( اقدني يارسول اللّٰه) فكشف الرسول “صلى ﷲ عليه وسلم” بطنه لأسود وقال: (اقتد، أي اقتص) ، فانكب أسود مقبلاً بطنه الشريفة.
تعجب الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم والصحابه، من تصرف أسود ، وسأله عن السبب ، فقال:
( نحن كما ترى من الأمر، وأريد أن يكون آخر عهدي من الدنيا أن يلامس جلدي جلدك) ، ثم انطلق بعدها للقتال.

 

إنه مشهدٌ يحبس الأنفاس، ونتيجةٌ تثلج صدر الطرفين معاً.

 

لذا اعتذروا إن أخطأتم، وأقبلوا عذر من أتاكم معتذرا لكم، ففي النهاية كلنا بشرٌ ،لسنا بمعصومين من الخطأ.


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *