حُبٌّ تحت ظلال السيوف


حُبٌّ تحت ظلال السيوف



[من كل بستان زهرة]


بقلم| الكاتبة/ عائشة عسيري (ألمعية):

 

من السهل أن يترنم المحبون بكلمات الحب والغزل في ساعات الصفاء، والأنس، والدعة، وأن تجود قرائح الشعراء من العصر الجاهلي،وحتى العصر الحديث، بأبيات الغزل التي لاتخلو من مبالغات الشعراء العشاق، وربما دخلت الصنعة على غزلهم ، فغلبت على صدق العاطفة وتلقائيتها.
وذلك مرده لحال السعة، والطمأنينة التي هم فيها ، والخيال الذي يتمتعون به. 

 

ولكن هناك حُبٌّ جارفٌ، وغزلٌ عذبٌ رقيقٌ، ومشاعر جياشة،وحقيقية، استبدت بقلب أحد أشهر فرسان العرب وعشاقهم.
حتى وهو في ،خضم المعارك يقاتل الأعداء، لم ينسَ محبوبته، ولم يشغله احتدام القتال، وشدة الوطيس، عن تذكرها. 

 

إنه فارس العرب الأشهر (عنترة بن شداد العبسي)، الذي أحب عبلة بنت عمه مالك بصدقٍ وشغفٍ، لم أجد له مثيلاً في تاريخ المحبين. 

 

لقد كان  شخصاً فريداً في حبه لها.
إذ كيف وهو في أَشُدْ المعركة، وقد نال منه الأعداء
مانالوا بسيوفهم، ورماحهم،  كيف له أن يتذكر الحب أو الحبيبة؟!. 

 

وكيف أن تَذَكُّرَ طيفها أشغله، عن تَذَكُّرِ جراحه، وألمه الجسدي، والنفسي. 

 

كيف أن مواجهة الخصوم، لم تصرفه عن ترائي ملامحها وسط القتال، بل إنه أتى بأجمل غزلٍ، مستوحياً إياه، من أدوات المعركة،وأجوائها القاسية حيث يقول:

 

ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني 

وبيض الهند تقطر من دمي 

فوددت تقبيل السيوف لأنها 

لمعت كبارق ثغرك المتبسم.

 

كيف جمع كل تلك

 المتضادات ،في آن ، الحب والحرب،  والشجاعة، والرقة.

 

إنه في عز القتال، يتذكرها، وقد تناوشته رماح وسيوف خصومه، ودماؤه تسيل، وبدل أن يفكر كيف يتجنب  سيوف الأعداء  التي تلمع عند استلالها ليضربوه بها، فإنه يود تقبيلها.

 

فقط لأنها ذكرته، بالتماع ثغر عبلة عندما تبتسم. 

 

أي حبٍ هذا الذي ضمه قلبك القوي الشجاع ياعنترة لعبلة؟!

 

وأي جمالٍ في التصوير، وروعة في التعبير أجمل من أبياتك هذه؟!

 

وبالرغم من هذا الحب العظيم الجارف، فهو يكاد يوقن بأنه حبٌ بلا أملٍ ، إذ لطالما وعده عمه بتزويجه عبلة، لكنه أخلف كل وعوده له،  ومع ذلك لم يفتر حبه لها، ولم يتبدل،  ولم ينشغل عنها حتى بالحرب التي يذهل فيها كل بطلٍ صنديدٍ عن ماسواها. 

 

إنه عنترة الفارس العاشق الفذ، الذي جمع بين رقة العاشق، وشجاعة الفارس البطل فكان عاشقاً بجنونٍ لعبلة حتى وهو تحت ظلال السيوف.


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *