غث الإعلام وسمينه


غث الإعلام وسمينه



[مابعد الأخير]


بقلم| الكاتب/ ضيف اللّٰه نافع الحربي:

 

في وقت ليس ببعيد (منتصف الثمانينات ميلادية تقريبًا) كان لدينا قناتين فقط تُمثل الإعلام المرئي في السعودية ، القناة الأولى الرسمية والتي كانت تبث برامجها على فترتين من العاشرة صباحًا وحتى الثانية عشر قبل الظهر ، لتُعاود البث مرة أخرى بعد العصر وحتى الثانية عشر منتصف الليل، أما القناة الأخرى تُبث باللغة الإنجليزية وكان نطاقها الجغرافي داخل حدود المُدن فقط دون القرى ، كان التلفاز آنذاك نقلة نوعية في الحياة الاجتماعية في أغلب بلدان العالم الثالث ، وترك أثرًا ثقافيًا لا يُستهان به ، لأنه يملك أدوات التأثير الفاعلة في المجتمع رغم بساطة التقنية ومحدودية البث في ذلك الوقت لكنه كان يقدم محتوى ذكي موجه بعناية يُلامس حاجات المجتمع ، يستهدف السلوك الخاطئ بالتعديل الناعم ، يُفرد مساحة لا بأس بها لنشر الثقافة الغنية بالمعلومة المُدققة في الأدب واللغة وكافة العلوم لاسيما ما يتعلق بالطفولة والمرأة.

 

لم يكُن إعلامنا حينها مُتكلفًا ، لذا وصل ببساطة للمتلقي دون تعقيد ، وفق أهدافٌ عامة رُسمت خطوطها العريضة من قِبل مختصين في التربية قبل الإعلام وبما يتناسب مع خصوصية بلادنا وهويتها الإسلامية ، وشعبنا وعاداته وتقاليده ، كان إعلامًا حصينًا ضد الاختراق منيعًا في وجه الغزو الفكري ، فأعد جيلًا ناضجًا في فكره منتميًا لهوية مجتمعه، وساهم في بناء الأسرة المتماسكة، حتى من كان يمارس الإعلام في تلك القنوات من مذيعين ترك أثرًا خالدًا في ذاكرة جيل تلك الحقبة ، ومَن منّا لايذكر عبدالرحمن يغمور و حسين نجار وعوني كنانة وماجد الشبل وغيرهم من مذيعي التلفزيون السعودي ، بل لازال الكثير يتذكر برامجهم ومحتواها الثقافي المرتفع ، أما الصحافة في تلك الحقبة فكان لها شأنٌ آخر لايقل عن الإعلام المرئي ، وأرجو أن لا أكون مُبالغًا إن قلت أن بعض الصحف كانت مدرسة في المحتوى وفي اللغة والنحو والإملاء تُخاطب العقول بطرح يليق بها ، وللصحافة أيضًا رموزها المؤثرين والأهم الحرص الكبير لدى القائمين عليها لكسب ثقة القارئ.

 

أما الإعلام اليوم وقد تطورت أدواته وتعددت أساليبه وزادت مساحة نفوذه وتغطياته ، هو بلا شك أعمق وأبلغ تأثيرًا ، حتى أصبحت القنوات الفضائية السلاح الأول بأيدي الساسة ورواد الأعمال الذين يتحركون داخل دائرة مصالحهم فأُنشئت القنوات المتخصصة في الاقتصاد والسياسة والفكر والأدب ، وهذا أمرٌ إيجابي دون شك شرط أن يتمتع القائمون عليه بحس المسئولية ، أما الصحافة فقد تبدل حال أغلبها مع نُدرة المواهب الصحفية ، وضعف ثقافة الصحفي أو الكاتب ، أما الداء الذي أُبتلي به الإعلام المقروء لاسيما الإلكتروني منه ( متسلقي الإعلام) والحديث في هذا يبدأ ولاينتهي ولعل في قادم الأيام أُفرد له مساحة توازي خطورته ، بل أن وجود أمثال هؤلا أضر عميقًا بالفكر والثقافة ، وأساء للصحافة لاسيما مع تكاثر الصفحات الإلكترونية ( فأغلبهالا ترتقي لصحُف ) ولو ناقشت غالب القائمين عليها لوجدت فراغً ثقافيًا موحشًا وغياب تام للمهنية ، وتسويقًا للجهل ما جعل الغث يملأ سماء فضاءنا الإلكتروني ، وقد يخلق هوية هزيلة للمجتمع دون أن نشعر.

 

همسة:

 

نُريد إعلامنا القديم وبأدوات العصر الحديث ، وسنغير ملامح الخارطة الإعلامية في العالم بنوعية المحتوى ومهنية الأداء.


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *