الحالة الشعرية


الحالة الشعرية



بقلم| الكاتب/ محمد البكري:

 

من المفارقات العجيبة في الشعر .. أن من القدرات الخارقة للشاعر وصف المشهد المقابل بصورة لفظية لا يستطيع تكوينها سواه ، ومن المفارقات المضافة لما سبق هو أن الشاعر الذي يستطيع وصف المشهد بصورة مختلفة لا يستطيع أن يصف مشاعرة التي كانت أساس البناء اللفظي.

 

لا أعلم إن كنت قد فهمت ما أعني عزيزي القارئ ولكن .. ومن باب الإسهاب والتفصيل فيما سبق سأقول لك سراً من أسرار الشعراء ، وهو أن الشاعر يواجه صعوبة في الإجابة على الأسئلة التالية:

 

كيف كتبت القصيدة ؟ ، من وين جتك الفكرة ، من وين جبت هذا البيت ؟ ، وغيرها وغيرها من الأسئلة الشعبية التي تتحدث بلغة الإستفهام الإعجابي لما قدمه الشاعر ، والغريب .. بل والمضحك أحياناً .. أن الإجابة : لا أدري ، وهذا ما يجعلنا نتذكر المقولة المعروفة بأن الشعر إلهام ، ولو أردنا تعريف الإلهام في حالة الشاعر لقلنا أنه الزائر الذي يحمل بين يديه فكرة مميزة يتم صياغتها بصور لفظية مركبة بشكل خارج عن المألوف قبل وصولها لإحساس الشاعر .. لينتج لنا من خلال هذا التكوين وارد فكري يسمى قصيدة.

 

في حقيقة الأمر أنني سمعت من بعض الشعراء الكبار مجموعة من الإجابات التي تتحدث عن هذا المكنون الفكري الذي يُسمى إلهام ، والذين أوضحوا من خلال حديثهم عدم قناعتهم بهذا التفسير .. وأن الشعر عبارة عن إلتقاطة لفكرة معينة يتم من خلالها بناء أساسات القصيدة لحين الإنتهاء منها ، ولعلني لم أتفق معهم حسب ما رأيت من نفسي .. وذلك لأن.

 

في هذا التفسير معنى يوحي إلى أن الشاعر يستطيع أن يكتب متى أراد .. وهذا ليس صحيحاً .. وإن حصل .. فسيكون مضمون القصيدة نظماً لا يحرك في دواخل المتلقي طرف أصبع يده الصغير ، ولأكون أكثر وضوحاً .. فالإلهام للشاعر طائر لا يحلق سوى في سماءه .. ولو كان إلتقاطة .. لحلق هذا الطائر في سماء الكثيرين من عامة الناس ، أضف إلى أن المعاني التي تخرج من الشاعر لحظة كتابة القصيدة لا تعود إن لم يدونها ، ولو كان الأمر كما قالوا لظل الإنسان العادي ينتظر اللحظة المناسبة لكي يشرح تفصيلاً لما شاهد .. وهذا ما لا يُمكن أن يحدث بالطبع.

 

يطول الحديث عن الإلهام وخفايا الحالة الشعرية ، ولكن ما يجعلنا نحاول بشتى الطرق أن نتوقف عن الإستطراد في هذا السر التكويني لإبداعات الإحساس وإمتزاجها لا أرادياً بالألفاظ التي يصدرها التكوين العقلي المبني من أساس ثقافي تطور من خلال بذرة الموهبة المزروعة والتي تجعلنا نصفق للشاعر عندما يجبرنا لسانه على الإبتسام .. ولنقول له عند الإنتهاء وبلسانٍ واحد : صح لسانك.


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *