عشرة أمور قد تخفى على غير المختصين (عن التحكيم)


عشرة أمور قد تخفى على غير المختصين (عن التحكيم)



بقلم| المحامي والمستشار القانوني/ خالد بن عبدالعزيز اليحيا:

 

يعد التحكيم من أقدم الوسائل التي عرفها الإنسان في فض المنازعات بالإضافة إلى القضاء والصلح , وفي العصر الحاضر أصبح التحكيم وسيلة استثنائية لفض المنازعات , وخصصت له برامج سواء في كليات الحقوق أو برامج مستقلة على شكل دورات ودراسات ورسائل , كما أصبح التحكيم سمة دولية في فض المنازعات خصوصا في قضايا الاستثمار الأجنبي والتجارة الدولية , وما يميز التحكيم عن غيره من الوسائل هو سرعه فض النزاع وتوفر الخبرة الفنية في المحكم وذلك بالمجال الذي يتم التحكيم بصدده كالمهندس أو المحاسب المحكم.

 

وقد أولت المملكة اهتماما كبيرا بالتحكيم على صعيد التشريعات وحدثت نظام التحكيم بما يتواكب مع اتفاقيات اليونسترال . وذلك بصدور نظام جديد للتحكيم السعودي المتوج بالمرسوم الملكي م/34 وتاريخ 24/5/1433هـ ليحل محل النظام القديم وفقا للمادة ٧٥ من النظام الجديد , وقد أتاح النظام الجديد للفرقاء وأصحاب القضايا أن يعرضوا نزاعاتهم عبر هذا النظام دون أن يضطروا الى اللجوء الى مراكز التحكيم مثل محكمة لندن الدولية (LCIA) وغرفة التجارة بباريس (ICC).

 

وفيما يلي نحاول تعداد أهم المعوقات التي تحول دون لجوء رجال الأعمال والتجار وذوي الشأن للتحكيم كوسيلة سريعة ومرنه من وسائل فض المنازعات:

 

١)- عدم إدراك ماهية التحكيم وأحكامه من قبل بعض رجال الأعمال والتجار والمتعاقدين والمتنازعين:
البعض من رجال الأعمال والمتنازعين لا يعرف شيئا عن التحكيم ولا يدرك جوانبه الفنية وأصوله وكيفيه اللجوء إليه وذلك لكونه مفهوم حديث على بيئتنا التجارية والمالية , وكان حريا بالغرف التجارية أن تأخذ دورا أكبر في توعية التجار ورجال الأعمال بنظام التحكيم وبأهميته القصوى لهم وبضرورة إدراج شرط التحكيم ضمن شروطهم واتفاقياتهم , وذلك عبر ورش عمل تعقد لهم بهذا الخصوص , وعبر توجيه رسائل الكترونية لهم.

 

٢)- الخلط بين مفاهيم التحكيم – الوساطة – الصلح:
يعقد البعض أن التحكيم ما هو إلا وجه آخر من أوجه الوساطة أو الصلح وهذه المفاهيم تختلف فيما بينها كليا . و كل مفهوم له إجراءاته ووسائله, إلا أن شرط التحكيم ملزم وحكمه نهائي وله جوانب فنية تخفى على كثير من طالبي اللجوء إليه لفض النزاع وهذا ما جعل بعض من يصوغون العقود والاتفاقيات يخلطون بين هذه المفاهيم ويخرجون شرطا مبهما ولا يفضى الى إلزام الاطراف بالتحكيم.

 

٣)- عدم وجود شرط التحكيم في الاتفاقية أو العقد يجعل البعض يعتقد بعدم إمكانية المشارطة اللاحقة للنزاع:
إن عدم وجود شرط التحكيم في أي اتفاقية لا يعني أبدا عدم جواز لجوء الاطراف الى التحكيم بعد نشوء النزاع عبر مشارطة مستقلة وموقعه من أطراف النزاع , وهنا يجب التفريق بين شرط التحكيم المنصوص عليه بالعقد قبل نشوء النزاع , ومشارطة التحكيم المتفق عليها باتفاق مستقل لاحقا لنشوء النزاع . كما أن شرط التحكيم صحيحا وغير باطل يجعل الأطراف ملزمين بالتحكيم وليس لطرف خيار اللجوء للقضاء ابتداء إلا في حالة تنازل الأطراف كافة عن التحكيم.

 

٤)- الإعتقاد – في كل الأحوال – بأن التحكيم له إجراءات وترتيبات معقدة وأنه لابد أن يكون مؤسسي:
وإن كان هذا الاعتقاد له ما يسنده في قضايا التحكيم الكبرى مثل قضايا الاستثمار الأجنبي وعقود الامتياز والتجارة الدولية والقضايا ذات القيمة المالية الكبيرة , إلا أنه في كثير من قضايا التحكيم بين الأفراد أو بين الشركات فإن النظام الجديد أتاح الفرصة لهم أن يفضوا نزاعاتهم عبر التحكيم الفردي الغير مؤسسي دون الحاجة الى اللجوء الى المراكز التحكيمية المكلفة ويكون حكم التحكيم نافذا إذا انسجمت إجراءاته مع النظام.

 

٥)- الاعتقاد بأن أحكام التحكيم قابلة للإستئناف:
نتيجة لأن التحكيم أسلوب استثنائي ومرن ويحمل طابع السرعة في فض النزاع فقد جعل النظام أحكام التحكيم نهائية وغير قابلة للاستئناف (استنادا الى أحكام اليونسترال) وتعد سندا تنفيذي بموجب نظام التنفيذ , وليس لأحكام التحكيم درجات تقاضي كما القضاء باستثناء رفع دعوى البطلان أمام المحكمة المختصة استنادا الى نص المادة ٤٩ والمادة ٥٠ من نظام التحكيم حيث لا تقبل أحكام التحكيم الطعن بأي طريق من طرق الطعن عدا رفع دعوى البطلان وهو طعن إجراءات وليس بالحكم وتعد محكمة الاستئناف هنا محكمة قانون وليست محكمة موضوع.

 

٦)- الاعتقاد بأن هيئة التحكيم لابد أن تكون فريق وليس فرد :
وهذا الاعتقاد غير صحيح استنادا الى المادة ١٣ التي تشير الى أن تشكيل هيئة التحكيم من محكم واحد أو أكثر على أن يكون العدد فرديا وإلا كان التحكيم باطلا إذا شكلت الهيئة من عدد زوجي.

 

٧)- الاعتقاد بعدم اشتراط تأهيل المحكم علميا وأن الحرية مطلقة باختياره:
وهذا الاعتقاد غير صحيح لأن المادة ١٤ نصت في فقرتها الثالثة (أن يكون المحكم حاصلا على الأقل على شهادة جامعية في العلوم الشرعية أو القانونية). وإن كانت هيئة التحكيم مكونه من أكثر من محكم فيكفى توفر هذا الشرط في رئيسها – لأن عدم وجود متخصص من بين أعضاء هيئة التحكيم يؤدي الى الإخلال بالتحكيم ككل لعدم إلمامه بإجراءات التحكيم.

 

٨)- الاعتقاد بأن أحكام التحكيم لا تحوز الحجية مثل نظيرتها القضائية وقد لا تنفذ:
وهذا الاعتقاد خاطئ , حيث نصت المادة التاسعة من نظام التنفيذ السعودي في فقرتها الثانية على أن أحكام المحكمين المذيلة بأمر التنفيذ وفقا لنظام التحكيم تعتبر سندا تنفيذيا تأخذ أحكام مثيلتها من الأحكام والأوامر القضائية.

 

٩)- الاعتقاد بأن أحكام التحكيم الصادرة ببلد معين لا تنفذ في دولة أخرى:
وهذا الاعتقاد غير صحيح , حيث نصت المادة التاسعة من نظام التنفيذ السعودي في فقرتها السادسة على أن أحكام المحكمين الصادرة في بلد أجنبي والمحررات الموثقة الصادرة في بلد أجنبي تعتبر سندا تنفيذيا تأخذ أحكام مثيلاتها الصادرة في المملكة العربية السعودية مع مراعاة ما قررته المادة ١١ من نظام التنفيذ (قواعد المعاملة بالمثل).

 

١٠)- الاعتقاد بأن المحكم مثل القاضي فيما يتعلق بالقانون الوطني الملزم والمقيد بأحكامه:
بطبيعة الحال إذا لم يحدد القانون الواجب التطبيق فإن مكان عقد التحكيم أو مشارطته هو قانون البلد الذي يخضع له , وبالنظر إلى أن القانون الواجب التطبيق يخضع لإرادة الأطراف في الاتفاقيات الدولية والاستثمارات الأجنبية فإذا نص على القانون الواجب التطبيق خضع له المحكم بغض النظر عن مكان التحكيم وجنسية المتنازعين . بمعنى أن المحكم لا يتقيد بقواعد الاسناد المقررة لذات القانون لأن المحكم على خلاف القاضي ليس له قانون اختصاص.

 

وختاماً نشدد على أهمية أن يكون شرط التحكيم أو مشارطة التحكيم منضبطا انضباطا لا يقبل التأويل من حيث الصياغة التي لا تقبل الخيارات بين التحكيم والصلح والتي تؤدي إلى إلزام الاطراف بالتحكيم وفقا لنظام معين وبلد معين وحسب القانون الواجب التطبيق المتفق عليه.


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *