مُعلّم ضد الماء


مُعلّم ضد الماء



[ما بعد الأخير]


بقلم| الكاتب/ ضيف اللّٰه نافع الحربي:

 

الأربعاء الساعة السادسة والنصف صباحًا ، السماء مُلبدة بالغيوم ، والشواع مُمتلئة بالمياه بعد ليلة ماطرة مابين المتوسطة إلى الغزيرة ، كانت قد أشارت لها الهيئة العامة للأرصاد مُبكرًا ، ومن هذا المقام لهم جزيل الشكر على جهودهم البارزة في متابعة الأحوال الجوية وبث التحذيرات على مدار الساعة ، ساعات قليلة فقط كانت تفصل ذروة الموجة المطرية عن بداية انطلاق الموظفين والطلاب إلى مقار أعمالهم و مدارسهم ، والحديث هُنا عن مدينة يتجاوز سكانها ٣ ملايين نسمة لايكاد يخلو منزل من منازلها من موظف أو موظفة أو طالب وطالبة ، تُرى كيف سيكون حال السير وحركة المرور في أجواء كهذه الأجواء ؟ إن كان الزحام في الأيام العادية يمثل مُشكلة مؤرقة! وقد تضاعف لُيُصبح زحام حد الشلل يُعيق حركة السير في ظل هذه الظروف ، ولولا التقيد بتعليمات وأنظمة المرور لكتبت مقالي هذا ودققته قبل أن تتحرك سيارتي المتوقفة في طريق مزدحم وأنا في طريقي لمدرستي التي لاتتجاوز مدة المسافة لها ١٠ دقائق في الأوقات العادية ، بينما استغرق وقت وصولي في هذا اليوم الغير عادي قُرابة الساعة والنصف ، وغيري الآلاف من المعلمين والمعلمات الذين لن يكون أمامهم خيار سوى الذهاب لتوثيق التوقيع أو بصمة الحضور في يوم لاعلاقة له بالمعلم إطلاقًا . لاسيما أنه يوم دراسي حسب نظام وزارة التعليم إذ لم تعلق الدراسة.

 

وبعد هذا ، لنُفكر قليلًا وبهدوء تام بعيد عن قرار المسئول الذي أقر دوام المعلمين (فوق كل أرض وتحت كُل سماء) ، لماذا يُكلف المعلم الذي لا عمل له إلا بوجود الطالب بتحمل المشاق والتعرض للمخاطر وتعريض سيارته للمشكلات المحتملة وكأنه كائن ضد الماء ، وبالتالي المساهمة في خلق مشكلة زحام مروري يُُضاعف من المعاناة لدى بقية الموظفين والمراجعين والمرضى ، لماذ يُشار إلى المعلم بذات البنان الذي يُشار به إلى بقية موظفي الدولة ، والفرق هنا لايخفى على عاقل ، المعلم مهنته التدريس ، فما الذي سيقدمه المعلم والطالب في منزله بقرار من والده حين لا يكون المسئول بحجم استشعار الخطر المحيط بحضور الطلاب لمدارسهم في يوم غاية في الخطورة ، ولو تكفل بإجراء دراسة التكلفة المالية المُهدرة أحد المختصين ،لقدّم لنا أرقام مُفجعة من الهدر المالي جراء دوام المعلمين والمعلمات دون طلاب ما بين فواتير كهرباء في المدارس ، واستهلاك وقود يدفع فاتورته المعلم لسيارته ، قد يعتقد البعض أنني هنا أطالب بإجازة للمعلمين من أجل الإجازة ، بل الأمر ليس هذا فالمعلمين يسجلون أعلى معدلات الإنضباط على مستوى موظفي الدولة ، وهم أشد حرصًا على تأدية واجبهم على أكمل وجه يقينًا منهم بعظم الأمانة المُلقاة على عواتقهم ، ولكن غياب المنطق عن قرار فرض الدوام عليهم في مثل هذه الأجواء ، جعل من صوت العقل يرتفع عسى أن يجد من يُجيب.

 

ثم لعل من عاش معاناة السير في شوارع جدة صباح أمس الأربعاء ، أدرك جيدًا أن منح منسوبي المدارس طلابًا ومعلمين إجازة في مثل هذه الظروف هو أحد أهم الحلول لتخفيف حدة الزحام ومنح الفرص لفرق الصيانة لمواصلة سحب وتصريف مياه الأمطار ، فمن الجيد للغاية أن تكون القرارات مدروسة بذكاء قبل تصدر ، وعلى المسئول التراجع عن تلك القرارات حين ترتفع أصوات العُقلاء بكافة فئاتهم ، وكم من صوت قد ارتفع للمطالبة بإعادة النظر في قرارات تعليق الدراسة من أجل سلامة الطالب وسلامة المعلم الذي يقطع مئات الكيلو مترات من أجل أن يوثق حضوره ومن أجل تلك المُدن التي تكاد تختنق وتتعطل الحياة فيها بسبب قرار غير منطقي.

 

همسة؛

 

قرار تعليق الدراسة لا يعني مُطلقًا الحث على الإهمال أو التكاسل ، بل هو قرار استراتيجي يجب أن يدرك أهميته المسئول سواءً على مستوى الوزارة أو إدارات التعليم.


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *