سيرة الشاعر “أحمد بن ناصر الشايع” في سطور


سيرة الشاعر “أحمد بن ناصر الشايع” في سطور



ليلة خميس- تقرير/ عبدالإله اليحياء:

 

لم يكن الشعر هو الشيء الوحيد الذي صنع شعبية هذا الشاعر المخضرم ولم يكن هو فقط ما زاد من محبته لدى الناس، فقد أجتمع له كمبدع العديد من السمات التي قرّبته وقرّبت قصائده من قلوب الناس عامه ومن قلوب عشاق الشعر خاصه، ولعل أبرز السمات التي امتلكها التواضع الجم وأخلاقه العالية التي كسب بها محبة الجميع، مع أنّ وسط الشعر وشعر المحاورة تحديداً قلّ أنّ تجد فيه شاعراً يسلم من الوقوع في الصراعات أو الخوض في نزاعات يولدها التنافس الشديد بين الشعراء، لكنها قد تُسيء للشاعر وتؤثر بشكل سلبي على شعبيته.

 

إلى جانب ما تتسم به شخصية من صفات أستحق بها الإحترام والتقدير الذي حظي به، كانت موهبته الفذّة عاملاً واضحاً ومؤثراً في زيادة شعبيته ومحبته فمن هو هذا الشاعر؟

 

إنه الشاعر/ أحمد بن ناصر بن علي بن شايع بن حمد بن محمد آل موسى الزمامي المسعري الدوسري، المعروف بـ الشاعر/ أحمد الناصر الشايع وُلد في عام ١٣٣٩هـ / ١٩٢١م في مدينة الزلفي، أنه شاعر مخضرم من شعراء النظم والمحاورة. توفي في ١٠ ربيع الأول عام ١٤٣٨هـ الموافق ليوم الأحد الثامن من يناير من عام ٢٠١٧م. أنتقل إلى رحمة ربه ومرضاته، بعد أن عاش قرناً كاملا، طويلا بطول قامته وعلو هامته.

 

 

قرن من الشعر والغزل والحب والآهات، قرن من إنسانية فذة وسيرة رائعة عطرة، أحب الناس وغمرهم بفيض شعره، فأحبوه وبادلوه المحبة تقديرا واحتراما لمسيرة نقية الطوية.

 

– حياته:

 

نشأ “الشايع” – رحمه اللّٰه تعالى – وترعرع في الزلفي طوال حياته، بدأ بكتابة الشعر منذ أن كان عمره ١٤ سنة، درس “الشايع” في كتاتيب الزلفي على يد المعلم عبداللّٰه السحيمي ثم على يد الشيخ عبداللّٰه الغيث، وما إن شب عن الطوق حتى رحل مع خاله فهد اليحيى إلى شمال المملكة، في رحلة ستطول كثيراً، إذ ما إن ضم الملك عبدالعزيز مناطق الشمال إلى حكمه الواسع والممتد، حتى انساح عدد كبير من أبناء نجد في مناطق الشمال للعمل في إمارات المدن والقرى والمخافر على إمتداد الحدود الشمالية، والحدود الشمالية الغربية.

 

وقد كان لعدد كبير من أبناء الزلفي حضور ودور مهم في إدارة عدد من إمارات المدن والمراكز الحدودية، من أمثال، عبداللّٰه الحمدان ومحمد السليمان الفرهود وبندر الخريصي وأحمد النصار، وغيرهم ممن يمثلون الجيل الأول من أبناء الزلفي ذهابا إلى مناطق الشمال، لذلك ليس غريبا على شاب مثل أحمد الناصر الشايع أن يتجه إلى هناك للعمل، بحثا عن الرزق.

 

وتضمنت وثيقة مؤرخة في ١٣٥٧/١١/١١هـ، موجهة من الأمير عبدالعزيز الأحمد السديري إلى محمد الفرهود، أمير مغيرا الطبيق، كشف رواتب العاملين في مخفر مغيرا، وهم سليمان بن محمد الفرهود، ونايف السعدان، وسعد القحطاني، وصالح اليونس، وأحمد الناصر الشايع.

 

وفي أقصى مناطق الشمال السعودي، بدأ الشاعر “أحمد الشايع” الدخول إلى ساحة المحاورة، وكان عمره لم يتجاوز الـ٢٠ عاما، محاورا للشعراء: عطااللّٰه الهذيلي وسعد الشيباني، ثم انتقل بعد حين من الدهر إلى مكة المكرمة، وفيها عرف شاعراً قادماً بقوة إلى ساحة الرد والمحاورة، حيث كانت له صولات وجولات مع شعراء كبار، لهم باعهم الطويل في الساحة الشعرية، من أمثال: الشاعر لويحان وعبادل المالكي وعلي النفيعي وميشي القثامي وعطية الصانع وآخرين.

 

وتوجه إلى منازلة شعراء نجد البارزين في ساحة الرد، من أمثال عبدالكريم الجويعد وأحمد الناصر السكران ولعب بعد ذلك مع كثير من عمالقة المحاورة في نجد في جيله أمثال عبداللّٰه لويحان و علي أبو ماجد وناصر بن سرحان الشيباني وعلي القري و البحر وخلف بن هذال وراشد الجعيثن والحميدي الحربي، وغيرهم. وكانت هذه المرحلة الأولى ، ومن ثم اجتمع مع شعراء الحجاز أمثال محمد الجبرتي ورشيد الزلامي وصياف الحربي ومطلق الثبيتي ومحمد بن جرشان وخلف بن هذال ومستور العصيمي وفيصل الرياحي و غيرهم الكثير ، ومن شعراء الخليج مرشد البذال الرشيدي وصقر النصافي ومفرح الضمني ولعب المحاورة أيضا مع ابنه الأكبر “محمد” – رحمه اللّٰه تعالى – وشعراء محاورة أمثال سلطان الهاجري وحبيب العازمي وسعود الكريزي وسعود الجمعان المطيري وآخرين..

 

 

إن الشاعر “أحمد الشايع” هو امتداد لمسيرة شعرية نبطية، غير أنه سجل تفوقا في هذه المسيرة بابتكاراته وطروقه، التي لم يسبق إليها من قبل، وسجل حضورا فاعلا وقويا في مجالس الشعر والأدب، خاصة في مجالس الأمراء المهتمين بالشعر النبطي، الذين تعرف إليهم وشكل معهم صداقات طويلة، بدءا من الأمير مشاري بن عبدالعزيز ثم الأمير مساعد بن سعود، ثم مع الملك سعود بن عبدالعزيز، وأخيرا مع الأمير محمد بن عبدالعزيز، الذي كان للشاعر معه علاقة وثيقة قوية، ما انفكت إلا برحيل الأمير إلى جوار ربه الكريم، وقد رثاه الشاعر وذرف دمعته الحرى على قبره في ثرى العود.
وما إن رحل الأمير محمد بن عبدالعزيز حتى يمم الشاعر رحلته شطر مسقط رأسه، الزلفي، ليقضي ما تبقى من خريف عمره في مزرعته، هانئ البال، طيب الخاطر، مغمورا بحب كل من عرفه، وعرف بنقاء سريرته، وفي هذه المرحلة من مراحل عمره ظل وفيا لساحة الحوار والرد، ونزل بقامته الفارعة ليحاور جيل الشباب، بكل تواضع وطيب خاطر، تشجيعا منه لهم وأخذا بأيديهم، ناصحا لهم بألا يستعجلوا قول الشعر ونظمه إلا بعد تجربةٍ ومران، مؤملا منهم أن يطلعوا على أشعار السابقين وأن يحسنوا الاستماع إلى الشعر الجيد.

 

لقد من اللّٰه عزوجل على الشاعر “أحمد الشايع” – رحمه اللّٰه تعالى – بصوت عذب شجي، ساعده على انتشار شعره، ولا سيما وهو شاعر الوجدان والغزل، وقد تغنى كثيرون بشعره وعشقوا صوته.

 

وعبر مسيرته الشعرية، وإن غلب عليها شعر الغزل، إلا أنه طرق أبواب الشعر النبطي وقال فيها شعرا جزلا رائعا، وقد هجر شعر الهجاء ترفعا وتنزها، وكف عن شعر المديح إلا فيما ندر، وقال الرأي والنصيحة والتجربة في قوالب شعرية، وأبدع في الرثاء، وكانت مرثيته في زميله ونده في ساحة الحوار والرد الشاعر مطلق الثبيتي دليلا على إنسانية الشاعر، الذي فجع برحيل زميله، فرثاه واصفا إياه بأنه شاعر الملعبة، يقول:

 

أحسن اللّٰه عزا الشعار قاصي وداني
فالزميل الفقيد اللي علينا فقيده
.
فارس الملعبة يصهل صهيل الحصاني
ذاع صيته بنجد والديار البعيدة

 

أصدر الشاعر “أحمد الشايع” ديوانه الأول في عام ١٩٦٤م، بعنوان “نسمات الربيع” وقدم له الأديب الكبير عبدالكريم الجهيمان، وقد نفد الديوان منذ عقود، فأعاد الشاعر نشره عام ٢٠٠٨م، ثم أصدر ديوانه الشعري الثاني عام ٢٠٠٣م، وفي عام ٢٠٠٢م، أقام نادي طويق في الزلفي ليلة وفاء، احتفى فيها بالشاعر الكبير “أحمد الناصر الشايع” ، حضرها الأمير مساعد الأحمد السديري، وأحمد السعدون، رئيس مجلس الأمة الكويتي، والمئات من الشعراء والمحبين له وللشعر النبطي، وقد أكتظت بهم ساحة الملعب الرياضي، الذي تبارى فيه عدد من شعراء المملكة بقصائدهم الاحتفائية والتقديرية للشاعر الكبير.

 

 

في خريف عمره، فجع الشاعر بوفاة ثلاثة من أبنائه، وقد كان رحيل أبنه الشاعر “محمد” – رحمه اللّٰه تعالى – رحيلا مفجعاً، فهو أكبر الأبناء، وهو زميل ساحة المحاورة والرد، ورغم هذه الفواجع والمواجع، بقي شامخا صابرا محتسبا، لم تضعضع له الحوادث كاهلا، فقد طوى حزنه في قلبه بحزمٍ وعزم.

 

وعلى “اليوتيوب” توجد محاوره له قبل أكثر من ٣٠ عاما، وهو يحاور ابنه محمد في روضة السبلة، في ليلة هانئة صافية لم تكدرها الأكدار، وما كان يعلم بما تخفيه الأقدار!

 

 

وبرحيله طويت صفحة مهمة من صفحات مسيرة الشعر النبطي.

 

يقول الشاعر عندما سئل عن عدد من قابلهم من الشعراء : (أنا في كل ليلةٍ لي رفيق) على حد تعبيره، وقال أيضا في إحدى مقابلاته عن رؤيته للشاعر سليمان بن شريم للمرة الأولى والوحيدة في حياته وقال أنه رآه في سيارته في إحدى قرى سدير في نجد : (شفته مرةٍ على ظهر لوري اللّٰه يرحمه) ، أيضا في واحدة من المقابلات التلفزيونية تحدث المذيع عن ما يحدث في ساحة المحاورة من أن بعض الشعراء لا يريد أن يقابل شاعرا آخر بعينه أيًا كان السبب، سوى أنه أقل منه في المستوى الشعري أو التاريخ الفني أو تهميشًا له، وقال الشاعر : (ذبّاح أبوك لو جا تلعب معه) ، بقصد أن المحاورة هي للتسلية وليست للتحيز والنرجسية وأنها من إسمها (لعب) وليست مكان للبغض والكره.

 

– تعاونه الفني:

 

قضى قرابة ٨٢ عاما من عمره في مزاولة الشعر، حتى أن بعض الشعراء الذين مروا عليه في ساحة المحاورة أعدوه مدرسة للشعر الشعبي نظما ومحاورة، وكتب كثيراً من القصائد التي غنّيت لاحقا من قبل بعض الفنانين الشعبيين المميزين مثل الفنان سلامة العبداللّٰه والفنان حمد الطيار و الفنان خالد عبدالرحمن والفنان عزازي وغيرهم الكثير، مرورا بفناني الخليج أمثال عائشة المرطة و علي عبد الستار.

 

– دواوينه:

 

عرف عنه أنه عاشق للبحور والأوزان الشعرية الطويلة التي يُعرف أن أحمد الناصر عشقها وابتكر بعضها مثل المعوشر وغيره، له عدة دواوين صوتية وديوانه النصي الشهير (نسمات الربيع) الذي طبع للمرة الأولى سنة ١٣٨٤هـ وقام بتقديمه الأستاذ عبد الكريم الجهيمان.

 

تم تكريمه في أكثر من مناسبة وحصل على جائزة المفتاحة في الريادة بالشعر الشعبي من قِبَل أمير منطقة عسير الأمير خالد الفيصل آنذاك.

 

– قصائده:

 

قصيدة البارحه واليوم عيني:

 

البارحه واليوم عيني طواريها كثيره
عيني طواريها كثيره وش اسوي بعيني
.
ماجا خبر وعلوم وطروش من ديره لديره
وطروش من ديره لديره يسلون الحزيني
.
من ينصر المظلوم كوده الى سمع السريره
كوده الى سمع السريره حكم بينه وبيني
.
هجر وسهر وهموم ضاقت على كل الجزيره
ضاقت علي كل الجزيره وانا ضلعي متيني
.
لاهل الغرام سلوم ومصيبه الفرقى كبيره
ومصيبه الفرقى كبيره عساها ماتجيني
.
عيني تعاف النوم بالليل ياللّٰه الستيره
بالليل ياللّٰه الستيره يبا الخافي يبيني
.
نادو عقيد القوم ياقوم ملزوم استشيره
ياقوم ملزوم استشيره لو انه مايبيني
.
يازارع اليشموم ليتك تبيع بحسن سيره
ليتك تبيع بحسن سيره علي او تشتريني
.
ان بعت باول سوم سموك ابو خير وخيره
سموك ابو خير وخيره وابو قلب فطيني
.
رضيت بالمقسوم سافر عساها لك سفيره
سافر عساها لك سفيره وانا وش في يديني
.
انا له المحكوم ماهمني مخلوق غيره
ماهمني مخلوق غيره بحبه مشتريني
.
لو قيل لي منجوم راضي وخلوها قصيره
راضي وخلوها قصيره ولا بيح كنيني

 

قصيدة عابر:

 

عابر وخطواتي مواقع للأزهار
عابر خيالاتي مواسم سحابه
.
عابر وابهدي للزمن كل الاشعار
نزف القلم هم الورق والكتابه
.
عابر وابنسف في شرايني اعصار
جربت انا الغربه وشفت الغرابه
.
عابر بلا تفكير مليت الافكار
ومليت من طول الشقا والكآبه
.
عابر بدون اسرار هو باقي اسرار
حتى الألم صارت دروبه تشابه
.
عابر وزادي بالسفر حب الاسفار
عابر طريقي بين صحراء وغابه
.
عابر وابنهي مرحلة نضجي الحار
عابر وابلغي من عذابي عذابه
.
في تربة الغربة نبت عندي اصرار
وعما يقول الناس ما املك اجابه
.
عابر واذا قررت ما حب الاعذار
ويكفين وصف البعض بانسان نابه

 

قصيدة عنيزة:

 

باللّٰه يا للي تبا الفيحا عنيزة ديرة أهل الفخر
يا سعد منهم عضوده بالشدايد والزمان العسير
.
نطاحة الكايده لا قل بالدنيا بعير الظهر
الطيب منهم وفيهم كلهم كبيرهم والصغير
.
جعل السلامة زهابك بالطريق الى نويت السفر
اسلم وسلم على عيال العميم صغيرهم والكبير
.
اهل الوفا والمروه والشهامه لويشين الدهر
من يديك ليدين صالح خذ كتابي جعل خيرك كثير
.
يا بو محمد ليالينا تصافق مثل موج البحر
عجزت أميز لها وجه او قفا يا اللّٰه مقسوم خير

.

واحترت مدري وش اخذ وش اخلي بين هم وقهر
المبتدا زين مير المقبلات اللّٰه علم وش يصير
.
اللي ذبحني بغير اسلاح ما جا منه علم او خبر
اللي بعقلي وروحي في حياتي صايرن لي خشير
.
متى على اللّٰه عيوني من صخيف الروح تملا النظر
القلب لولا الضلوع اللي يردنه خطير يطير
.
كن الشهر لي سنه عقب التفرق والدقيقة شهر
يا اللّٰه تلطف بحال المغرم العاشق عليل الضمير
.
يا صدق راع المثل قال الهوى والحب كله خطر
والزين مثل الحيا متبوع مشهاة الغني والفقير
.
اتلا الخبر يوم وادعني واقدماه طريق الحفر
للديرة اللي ورى الرقعي يقود القلب سلك الحرير
.
اصعب علي شوفته من شوفة اللي فوق سطح القمر
لا شك ابصبرا على ما صابني لين الفلك يستدير

 

– وفاته:

 

ودَّعت الساحة الشعرية يوم الأحد الموافق العاشر من شهر ربيع الأول من عام ١٤٣٨هـ عميدها الشاعر “أحمد الناصر الشايع” – رحمه اللّٰه تعالى – بعد معاناة طويلة مع المرض حيث نعاه كبار الأدباء والمثقفين والإعلاميين والمسؤولين.


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *