بندر بن سرور.. بحر الشعر


بندر بن سرور.. بحر الشعر



ليلة خميس- عبدالإله اليحياء:

 

إن الشعر كائن حي يتشكل من معطيات البيئة التي ينشأ فيها، ويكتسب حيويته من تقاليد المعاصرة بها، حيث تخلع ملامحها وقيمها على شكله وبنائه، لهذا نجد لكل شاعر طبع ولون في قصيده يختلفون ولكن تبقى لماساتهم المميزة، فمن هؤلاء الشعراء المجددين للقصيدة الشعبية شاعر أشتهر ببحره المتميز المبدع فكان من المهتمين بالتنويع في البحور في شعره إذ أن أغلب قصائده على بحر المسحوب التي هي من أشهر بحور الشعر النبطي وأكثرها إستخداماً وصياغته العروضية هي مستفعلن مستفعلن فاعلاتن، إلا أنه له نصوص قليلة على بحور أخرى كالهجيني الطويل الجنوبي، وأيضاً بحر الرمل واستخدمه مرات قليلة ثلاثي التفاعيل. ألا أنه الشاعر/ بندر بن سرور العتيبي – رحمه اللّٰه تعالى – الذي خلص القصيدة الشعبية من الترهل محافظاً على القيم الرفيعة في مجتمعه واهتم بالقصيدة الشعبية، فهو شاعر عبقري وجد في الطبيعة صديقاً يمده بالصور الشعرية، فلازالت ولازالت الناس تحفظ شعره وكأنه الأمثال.. حتى أصبحت القصيدة الجيدة يطلق عليها بندرية.. غالباً ما يكتب على المسحوب وكأنه يبدع ويخرج أكثر الشعر صدقاً وتألماً، له هذه الأبيات التي بدأها بالقهوة وانهاها بالسجود للّٰه سبحانه وتعالى والناس قيام رحمه اللّٰه وأنزله فسيح جناته..

 

– تعريف:

 

إنه الشاعر/ بندر بن سرور بن خضير القسامي العطاوي الروقي العتيبي – رحمه اللّٰه تعالى – شاعر سعودي من أهم شعراء قبيلة عتيبة المعاصرين أن لم يكن فارس القصيدة النبطية الشعبية. السعودية في وقته، وصفه الأمير/ خالد الفيصل بمتنبي الشعر الشعبي. ولد في عام ١٣٦٠هـ أو العام ١٩٤١م في قرية القرارة إحدى توابع محافظة الدوادمي. والدته كانت أيضا شاعرة.

 

– حياته:

 

حياته قضاها مليئة بالترحال والتنقل من مكان إلى آخر، ظهرت جلية في عدد من نصوصه:

 

أنا كل ديره جيتها وأدرك الأسباب
أدور نصيب بذ رجلي بتدويره

 

وقوله:

 

آه يا فيحان من بعد المسافة
بين نجد وبين ريعان الحويه.

 

فقد عاش بندر طفولة فيها من القسوة الشيء الكثير. فبعد وفاة والدة تزوجت والدته، وانتقلت للعيش معه. إنتقل بندر للعيش مع عمه أخ والده في رواية، ولكنه عاش حياة افتقدت لحنان الأب، وأحتوت على ما تحتوي عليه حياة البادية عادةً من قسوة وترحال خلف الماء والكلأ. عاش حياته في نجد يرعى إبله حيث يوجد الماء والكلأ، كان خالي البال صافي الذهن، حاد التفكير، سكن الحزن قلبه مبكراً خصوصاً عندما صار يتيم الأب.

 

كما عاش الشاعر/ بندر – رحمه اللّٰه تعالى – في الخرج وتعلم القراءة والكتابة وأنهى المرحلة الإبتدائية، درس حتى المرحلة المتوسطة وتوظف في الجيش السعودي وأرسل للكويت أثناء حرب الصامته وتهديدات عبدالكريم قاسم حتى وصل إلى رتبه عريف في الجيش الكويتي، ثم عاد بعد ذلك إلى السعودية وألتحق بأحد الأفواج بالحرس الوطني بقي فيه فترةً قصيره فترك العسكرية وسعى وراء طلب الرزق بنفسه على سيارته الخاصة.

 

إن بداية بندر بن سرور الشعرية التي بدأت منذ السابعة من عمره، وأستمرت قرابة ٤٠ عاماً، كانت حافلة بعدد من الصولات والجولات الشعرية لم يبقَ منها سوى تسجيلات عدة، جعلت من شعر “ابن سرور” – رحمه اللّٰه تعالى – مدرسة نبطية خرج منها واستفاد منها معظم شعراء النبط في الخليج، ومرجعاً شعبياً للقصيدة العامية.

 

– وفاته:

 

كان قد وعد أخته أن يخرجها للبر وذلك بعد أن يعود من زيارة صديق له خارج محافظة الدوادمي، وفي الطريق وبينما هو ذاهبٌ إلى صديقه أحس ببعض الآلام في صدره، فخرج عن الطريق، وابتعد عنه قليلاً فأطفئ السيارة ونزل منها ليرتاح، فكانت هي النومة الأخيرة له.

 

توفي بندر بن سرور عام: ١٤٠٤هـ في الرابع عشر من شهر ذي الحجة في هجرة حلّيت التابعة لمنطقة الدوادمي، عن عمرٍ يناهز ٤٢ عاماً.وهو في غمرة نضجه الشعري.

 

– أهم قصائدة:

 

امس الضحى عديت في نايف الحيد
مابين شعر (وبين خشم الفريده)
.
مثلي على المبداء يحده حواديد
يصمد وراع الـهم مـاله صمـيده
.
يسوقه الهاجوس سوق المعاويد
من الضيق كنه فوق حام الوقيده
.
همٍ يقدد ثومـة القـلب تقديد
يا هنيكم ياأهل القلوب البليده
.
لو اني ارقد نوم بعـض السلابيد
ماشفـت حالي ناحلٍ كالجريده
.
النوم للي مايحـسـب المناقيد
ماهمه الا كيف يملا مسيده
.
لا ناطحٍ قاله ولا جايبن فـيد
وليا فـتح عينه لقـاها رغـيـده
.
راحوا وخلوهـا الرجال الصناديد
قرنٍ لحقـته مابقا له شريده
.
يوم الطمع دونه رمـاح وبواريد
والنذل تنشـب كلمته فـي وريده
.
الحر يفرس والحـباري مجالـيد
يعرف بهـا الطيـب من ايا بديده
.
مايعرفون ابها هل الحسد والكيد
ولا يفتخر راع الرصـيد برصـيده
.
واليا اختلف سلم العرب والتقاليد
من مات منهـو لا تعده فقـيده
.
لو هو قريبٍ منك فرقى الردي عيد
جعله مـن الدنيا يعجل شـديده
.
يعيش معـزولٍ عن الناس ووحيد
اخير من قرب الوجـيه القريده
.
يوم اني اذكر بعض الاحوال يافهيد
الوقت جافي والـموارد زهيدة
.
وان حدة الحاجه لبعض الرعاديد
اليوم ماينفع عضـيدن عضـيده
.
نفسي معودها على الصبر تعويد
والصبر نكسب به صفاتٍ حميده
.
وخير الكلام الذكر من غير تحديد
مع خالص النيه وطيـب العقـيده
.
يقولـه اللي مانشد زيد وعبـيـد
بالمصحـف الطاهر لقى مايفيده
.
من طبق اللي فيه نـال المقاصيد
وسلك طريق اهل الحياة السعيده
.
مايستوون اهل القشر والاجاويـد
اللّٰه فرقـهـم فــي امــورٍ عـديــده
.
قال : اعملوا تلقون والكم مواعيد
اجل قصير ومن قضى اجله نعيده
.
مرجاعهم لله جمـوع وتفـاريد
واللّٰه بخلقه يفعل اللي يريده
.
دنياك مافيها حيـاةٍ سرامـيد
زرع الفنا لابد له من حصيـده
.
من سار بالسكه وصل لاخر السيد
العبد لابد المنايا تـصـيـده
.
ترا المـنايا للبـرايا حواصـيـد
والموت له مع كل نفـس وعيـده
.
والرابح اللي من هل الخير وشهيد
وادرك بحسن الخلق مرضاة سيده
.
حبـله يـورد طـيـبـات الـمواريـد
يـاصـار مع ربه حبـاله جـويـده
.
والحكم للي يبدي الخلق ويعيـد
هو ربنا الواحد وحـنـا عبـيـده

 

وقصيدة أخرى:

 

يازين فنجال على هجعة الناس
زرع اليمن واللي مسويه عيده
.
يبري العماس اللى فضى يطوية الراس
روابع تقفي وتقبل بديده
.
ياسهيف الذرعان لاباس لاباس
ما نيب من يجري الخبيث بوريده
.
كم فرجة من خوفها البال محتاس
على عيال اليوم عسر مديده
.
وغيره ليا نامت عن الذكر الاجناس
سجدت للي يدرج الملك بيده

 

ولم يكتفِ “ابن سرور” – رحمه اللّٰه تعالى – بشعر الحكمة ووصف المركبات فحسب، بل تجاوز ذلك إلى تحدٍّ واضح للشعراء، بمجاراة أبياته الشعرية، وثقته اللامتناهية بفتل الأبيات:

 

أنا ليا مني نويت أفتل البيت
فتلت والشعار ما ينقضوني

 

وفي مواقع شعرية تكللت بهجاء لم يرحم به أحد من خصومه.

 

كما أن السمة الدينية ظهرت في مواطن عدة من قصائده بقوله:

 

يا بنت خلي واحد ما يصلي
تارك عمود الدين مالك وماله

 

وكذلك بيته:

 

من ينصح اللي يعتقد له بكهان
يشرك مع اللّٰه واحد ما يثيبه.

 

ولمدح “إبن سرور” – رحمه اللّٰه تعالى – قصائد عاشت حتى الآن، مثل قصيدته في مؤسس الدولة السعودية الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – طيب اللّٰه ثراه – التي أكد في أبياتها خصلة الكرم لدى مؤسس الكيان بقوله:

 

عبدالعزيز اللي يبث المصاريف
يجدع قناطير الذهب بالفيافي

 

وبيته الأشهر في مؤسس دولة الإمارات الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان – رحمه اللّٰه تعالى – :

 

زايد على كل العرب بالوفاء زاد
لا قبلها صارت ولا من بعدها.

 

ولكن كانت مشكلة بندر الأساسية هي كثرة سفره، ولهذا هو يكره كل ما يقيّده عنها، بل حتى الزواج بالنسبة له قيد، لهذا مات عازباً.

 

فمن المعروف أن بندر ثائر في شعره، وفي سلوكه، وفي كل ما يقيد حريته ومكانه، ولهذا كان من الطبيعي جدا، أن تكون نهايته، بقرب صديقه الوحيد، سيارته، حيث وُجد ملقى بجانبها، وقد فارق الحياة، كواحد من أعظم الشعراء طوال القرن الماضي،

 

رحمه اللّٰه وأسكنه فسيح جناته..


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *