التحكيم الرياضي بالمملكة العربية السعودية طبيعتة القانونية  ونوع الرقابة عليه هل هي معيارية عالمية أم معيارية تقليدية؟


التحكيم الرياضي بالمملكة العربية السعودية طبيعتة القانونية ونوع الرقابة عليه هل هي معيارية عالمية أم معيارية تقليدية؟



بقلم| الدكتور/ كمال محمد الأمين:

 

انتشرت ثقافة التحكيم كوسيلة بديلة للقضاء العادي لحل المنازعات منذ أكثر من نصف قرن من الزمان وتوسعت رقعتة ونجحت الآلية التي تحكمة في إبراز مزاياه وخصائصة الجوهرية الأمر الذي جعل كبريات الشركات التجارية والإستثمارية تهفو إلية ملتمسه حل نزاعاتها عبره نظراً لسرعتة القصوى في التسوية، وبالرغم من مزايا التحكيم إنتشارة في المجالات الأخرى إلا أنة لم يكن بذات الأهمية بالنسبة لمجال الرياضة بشكل عام حيث أقتصر الأمر بداية على لجان ذات طبيعة قضائية تم تشكيلها داخل الإتحادات الدولية للألعاب المختلفه تستأنف قراراتها أمام محكمة فريدة من نوعها أنشأتها اللجنة الأولمبية الدولية منذ ربع قرن من الزمان في العام ١٩٨٤م تسمي محكمة التحكيم الرياضي (كاس) وهي هيئة شبة قضائية متخصصة في النزاعات المتعلقة بالرياضة لها القدرة والسلطة في فض النزاعات الرياضية الدولية من خلال وسيلة مرنه وغير مكلفة وتحظى قراتها بالاحترام الواجب من كل المؤسسات والهيئات الرياضية بما فيها اللجنة الاولمبية نفسها والإتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) ويوجد مقرها الرئيسي في مدينة لوزان بسويسرا وتوجد لها مقرات أخرى أقدمها في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية ومقر بأستراليا في مدينة سدني كما تم إفتتاح مقر حديث لها في مدينة أبوظبي بالإمارات العربية المتحدة فضلاً عن إنشاء مقر مؤقت لها في المدن التي تستضيف الألعاب الأولمبية خلال فترة إقامة الالعاب، ولعل الفكرة الرئيسية لإنشائها حسب الموقع الرسمي للمحكمة – إيجاد هيئة قضائية للتسوية المباشرة وغير المباشرة للقضايا المرتبطة بالرياضة وذلك من خلال سلطة متخصصة قادرة على البت في النزاعات الرياضية الدولية عبر مسطرة مرنة وسريعة لإخراج الرياضه من عالم الاقانون لعالم القانون ولعل هذه المحكمة تستند في قضاءها على قواعد سابقة الوضع ميزتها التجرد والعموم والديمومة لعل قراريين صدرا في الأعوام (١٩٩٢م-١٩٩٥م) هز الثوابت التقليدية ونقل الرياضة من وضعية الأداة التي تتقاذفها الأندية الرياضية إلى وضعية الطرف المتعاقد الذي يتمتع بحقوق مساوية على الأقل لحقوق الطرف الآخر ، القرار الأول (القرار الذي أصدرته المحكمة الأوربية بخصوص قضية اللاعب البلجيكي (جاك مارك بوسمان) وهو لاعب كرة قدم محترف إنتهى عقدة مع الفريق البلجيكي وأراد الإنتقال إلى فريق دانكراك الفرنسي والقرار الثاني هو القرار الذي أصدرته المحكمة الفيدرالية السويسرية في قضية (غونديل) الذي أوقعت علية عقوبة تأديبية بعد ثبوت تعاطي مادة منشطة ، فلعل قبل أن تقول المحكمة الفدرالية السويسرية كلمتها بخصوص الهيكلة التي كانت عليها محكمة التحكيم (كاس) وهو ضرورة فك الإرتباط المالي والإداري للجنة الأولمبية الدولية على محكمة (الكاس) وضرورة تمتعها بالإستقلالية التامة من عباءة اللجنة الأولمبية الدولية فقد أنعقد لهذا الغرض مؤتمر باريس في العام ١٩٩٤م للتحكيم في مجال الرياضة وتم تكوين المجلس الدولي للتحكيم الرياضي من (١٩) عضوا إثنان منهم من الدول العربية ليكون هذا المجلس مشرفاً على محكمة التحكيم الرياضي (الكاس) بدلاً عن اللجنة الأولمبية والتي يمكن أن تكون خصماً محتملا أمام المحكمة نفسها وبذلك تم ضمان مبدأ الإستقلالية التام للمحكمة .وصل عدد المحكميين بالمحكمة الرياضية الدولية حوالي (٣٠٠) محكم منهم سبعة محكمين من الدول العربية بالإضافة لعدد (٥٢) وسيطاً منهم ثلاثة من الدول العربية وقد اناط إجتماع باريس من اللجنة الأولمبية الدولية ضرورة حث الدول المختلفة علي ضرورة انشاء هيئات اومراكز او محاكم تحكيم رياضية بمقار اللجان الاولمبية الوطنية لتسوية النزاعات في الاتحادات المختلفة للالعاب بمافيها لعبة كرة القدم .

 

في ابريل من عام ٢٠١٦م أعلن الأمير عبد اللّٰه بن مساعد الرئيس العام لرعاية الشباب ورئيس اللجنة الولمبية السعودية انتهاء عمل اللجنة التأسيسية لمركز التحكيم الرياضي السعودي والتي كان يترأس أعمالها المحام السعودي البارز (محمد الضبعان) وتم عقد عدد من الورش لمناقشة مسودة النظام الأساسي للمركز والقواعد الإجرائية التي تحكم عملة بحضور ممثليين عن كافة إتحادات اللعبات الأخرى والرياضيين والإعلاميين والقانونيين وذلك لإبداء أية ملاحظات عليها تمهيدا للمصادقة عليها وتمت المصادقة من بعد ذلك علي النظام الأساسي والقواعد الإجرائية وتم الإفتتاح الرسمي بتاريخ ٢٠١٧/١٠/٢٧م بمقر اللجنة الأولمبية بمجمع الأمير/ فيصل بن فهد الأولمبي بالرياض تعد المملكة العربية السعودية أحد أهم دولة شرق أوسطية تطبق القوانين الرياضية بشكل صارم على الجميع دون محاباة أو خوف من أي كائن ولعل هذا الأمر انعكس على الرياضة بالمملكة وأصبح لها أقوى دوري بالشرق الاوسط ومن الناحية القانونية يعد مركز التحكيم الرياضي السعودي مؤسسة ذات شخصية اعتبارية مستقلة ومتوافقة مع محكمة التحكيم الرياضي (كاس) ولعل مركز التحكيم الرياضي السعودي نموذجاً يحتذي بة من حيث تطابق نظامة الأساسي والقواعد الإجرائية والموضوعية التي تحكم عملة كمرجعية نهائية لفض النزاعات الرياضية عن طريق التحكيم أو الوساطة ويتمتع بالشخصية الإعتبارية والإستقلال المالي والإداري حسب نص المادة الثانية من النظام الأساسي وهو بلاشك يتوافق مع الميثاق الأولمبي والأنظمة الأساسية للإتحادات الدولية المختلفة للألعاب ولوائح ونظام محكمة التحكيم الرياضي ، ولعل أهم السمات الواردة في نظامة الأساسي تلك المبادي التي تحكم أعمال المركز بشكل تتفوق به المملكة على العديد من دول المنطقة التي مازالت تسمح لقضائها الوطني بالفصل في القضايا ذات الطبيعة الرياضية بالرغم من وجود محاكم تحكيم رياضية وطنية عند تلك البلدان فالنظام الأساسي السعودي جعل المرجعية النهائية للفصل في المنازعات الرياضية بعيداً عن القضاء لهذا المركز وحدد المبادي التي تحكم عملة بشكل واضح وجلي ولعل اهم المبادي التي اشارت لها المادة (٥) مبدأ الإستقلالية والحياد فهذا المركز مستقل مالياً وادارياً حتى من اللجنة الأولمبية الوطنية السعودية وهو الجهة العليا والحصرية للفصل في المنازعات الرياضية ذات الصلة بالرياضة عن طريق التحكيم أو الواسطة ويتمثل هذا المبدأ في ضرورة احترام حقوق الدفاع ومبدأ الوجاهية وهذا الأمر يتيح لكل أطراف المنازعة التحكيمية كافة الضمانات بشكل متساوي ومحايد وإن عبء الإثبات يقع على عاتق الجهة المدعية وتفصل المحكمة بينهم من واقع الحجج المقدمة ومستنداتهم ووفقا للقواعد الموضوعية الواردة في الميثاق الأولمبي والأنظمة الأساسية للإتحادات ذات الصلة بالمنازعة ووفقاً لنظام ولوائح محكمة التحكيم الرياضي (كاس) وكذلك عدالة الإجراءات من خلال ضمان التمثيل العادل لكل طرف والمساواة في التعامل بين الخصوم ولعل أهم مايميز النظام الأساسي لمركز التحكيم الرياضي السعودي هو النص في المادة (٣٩) منة على الزامة لكافة الهيئات الرياضية بالمملكة العربية السعودية بتعديل نظمها الأساسية بالصورة التي تسمح باللجو إلى مركز التحكيم وإعتبارة الجهة العليا أو الحصرية للفصل في المنازعات الرياضية أو ذات الصلة بالرياضة وفي هذا تظهر عبقرية المشرع السعودي من الإستفادة من تجارب الدول الأخرى فعلي سبيل المثال في تونس لايوجد هذا النص الملزم لكل الهيئات والأندية فبعضهم التزم والبعض الاخر رفض وكانت المحصلة تكدث القضايا هذا النص ملزم للكافة ويمنع بالتالي تراكم القضايا.

 

ماذهب آلية المشرع السعودي هو عدم جعل أحكام التحكيم الرياضي تحت ولاية القضاء من بطلان ونحوه إذ أن ذلك الأمر يؤدي ويقود حتما لإطالة أمد النزاع بالتالي يخضع الطعن في أحكام مركز التحكيم الرياضي السعودي إلى منطق خاص به وهو ذات التوجه الدولي في التملص من المعايير التقليدية التي ترتكن فقط لدعوي الابطال أو البطلان فجاء النص في النظام الأساسي والقواعد الإجرائية واضحاً بأن هنالك ثلاثة غرف مختصة بالفصل في التحكيم بالمركز الغرفة الأولى هي غرفة التحكيم العادي وينعقد لها الإختصاص في الفصل في كل المنازعات ذات الطبيعة العقدية التي يوجد بها شرط تحكيم يقضي بضرورة اللجؤ للمركز وهنالك غرفة تحكيم استئنافية تفصل في الإستئنافات ضد القرارات الصادرة من الهيئات الرياضية بعد استنفاذ كافة الوسائل القانونية الداخلية ماعدا القرارات الخاصة بكرة القدم وهنالك غرفة تحكيم خاصة بكرة القدم وهي جهة المختصة في المركز بالفصل في كافة الإستئنافات ضد القرارات الصادرة من الإتحاد السعودي لكرة القدم بعد استنفاذ كافة الوسائل القانونية الداخلية وفقا للأنظمة واللوائح وبالتالي أخضع النظام الأساسي لمنطق الرقابة المعيارية العالمية التي تلاحق الحداثة وتسعي من أجل التطوير وهاهي المملكة تخطو بثبات نحو التقدم والإزدهار بفضل قيادتها الحكيمة.


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *