سيرة حياة الشاعر الإماراتي الكبير حمد أبو شهاب وأهم قصائده


سيرة حياة الشاعر الإماراتي الكبير حمد أبو شهاب وأهم قصائده



ليلة خميس- عبدالإله اليحياء:

 

نتحدث اليوم – بمشيئة اللّٰه تعالى – عن الشاعر الإماراتي الكبير حمد بن خليفة أبو شهاب – رحمه اللّٰه – وهو من مواليد إمارة عجمان الإماراتية في عام ١٩٣٢م ، ولد في منطقة تقع في وسط عجمان يقال لها : “الفريج الوسطي” ، و هم من أصول فلاحية ، أما أمه فهي سويدية من قبيلة السودان .

 

كانت حافظة الشاعر حمد بن خليفة أبو شهاب قوية منذ صغره و كان يجالس الشعراء مثل : راشد سالم الخضر ، حمد بن سليمان ، ناصر بن محمد ، و المرحوم عبدا لله الشيبة ، فأخذ يحفظ ما يقولون و يكتبه و قد بدأ بالكتابة في سن التاسعة .

 

تعلم الشاعر حمد أبو شهاب – رحمه اللّٰه – في بداية تعلمه في الكتاتيب ، ثم دخلت عجمان نهضة علمية حيث فتح عبد الكريم مدرسة أسماها “المحمدية” و كانت شبه نظامية فدخل الشاعر حمد تلك المدرسة ، حيث أهتم بدراسة النحو و الفقه ، فأكثر من القراءة و داوم على الكتابة.

 

أحب الشاعر حمد أبو شهاب – رحمه اللّٰه – الشعر مبكراً فحفظه و أتقنه و قرأه في المجالس و تغنى به ، و بعد ذلك بدأ يكتبه ، و ذهب الشاعر أبو شهاب مع والده إلى “سقطرة” حيث تعلم “الطواشة” – أي فنون بيع و شراء اللؤلؤ – عندما عاد لموطنه فتح لنفسه بقالة ، ثم ذهب للكويت حيث أشتغل هناك كاتباً للغواصين في السوق ، وواصل أبو شهاب رحلته إلى السعودية و عمل كاتباً عند أناس يعرفون بــ “الجلاهمة” في الدمام ، ثم توجه إلى البحرين و عمل هناك لفترة بسيطة و أخيرا عاد إلى أرض وطنه – الإمارات العربية المتحدة – لينتقل من عجمان إلى دبي فعمل عند التاجر الكيتوب ضابطاً للحسابات و أختلط بشعراء و أدباء دبي .

 

كان الشاعر حمد أبو شهاب – رحمه اللّٰه – مثالاً للأب الصارم فقد ربى أبنائه تربية شديدة ، و كان لا يتهاون في أمر الصلاة بالذات التي يجب تأديتها في المسجد ، و كان كثير التوجيه لأبنائه للإلتزام بالعادات الإسلامية و العربية المتوارثة عن الأجداد ، و كان أكثر ما يهمه هو إحترام الكبير ، خاصةً من الأصغر سناً و أيضاً كان إهتمامه شديداً بتحصيل أبنائه الدراسي حيث كان يتابع تطوراتهم و تدقيق درجاتهم التي يحصلون عليها ، حتى نال أبناؤه الستة – ٣ أولاد و ٣ بنات – على الشهادة الجامعية .

 

في مطلع السبعينات عندما قامت الدولة تولى مهمة إنشاء المكتبات العامة في مناطق مختلفة و ذلك عندما كان يعمل مديراً لمكتب وزارة الإعلام في الإمارات الشمالية ، ثم تم تعيينه عضواً في لجنة التراث و التاريخ .

 

كانت للشاعر حمد أبو شهاب علاقة قوية مع صاحب السمو الشيخ زايد – رحمه اللّٰه – و الشيخ محمد بن راشد – نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي – حفظه اللّٰه – ، و الكثير من غيرهم من الأدباء و الشعراء في دبي و أبو ظبي ، ووطد الشاعر حمد بن خليفة علاقته معهم و حرص أن ينهل منهم المعرفة و يتبادل معهم العلم .

 

و كان للشاعر ذكراً طيباً للشيخ زايد في قصائده ..

 

للشاعر حمد بن خليفة أبو شهاب عدة مؤلفات و دواوين سننتقي أهمها :

 

١)- ديوان سلطان بن علي العويس سنة: ١٩٧٨م

 

٢)- ديوان تراثنا من الشعر الشعبي – الجزء الأول عام ١٩٨٠م ، والجزء الثاني سنة: ١٩٨١م.

 

٣)- ديوان شاعرات من الإمارات – سنة: ١٩٨٤م

 

٤)- ديوان ربيع بن ياقوت، المجموعة الكاملة – سنة: ١٩٨٨م.

 

٥)- ديوان صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان – سنة: ١٩٩١م.

 

٧)- ديوان قصائد مهداة إلى صاحب السمو رئيس الدولة – سنة: ١٩٩٥م.

 

٨)- وقفات مع تاريخ دولة الإمارات – سنة: ١٩٩٧م. 

 

ومن أجمل قصائده:

 

– سبحانك ربنا:

 

من علم الشعر أنغاماً وأوزان

وأودع القلب أفراحاً وأحزاناً

وعلم الحب أن القلب مورده

لو شح بالفيض عنه مات ظمآنا

وعلم الدمع أن الجفن موطنه

فسأل بالشجو فوق الخد غدرانا

وعلم العلم أن القلب مسكنه

والعقل نورٌ وإلا ظل حيرانا

وعلم الأرض أن الغيث ينعشه

لولاه ما لبست ورداً وريحانا

وعلم البحر أن يسجو لراكبه

ولو تناهيه دراً ومرجانا

وعلم القمر الزاهي بأن له

من ضوء الشمس الضحى نوراً وألوانا

وعلم العقل أشياء وميزه

عما سواه فأضحى العقل ميزانا

فيما يطيق وما يدركه قال به

حقاً وإلا جثا للّٰه إيمانا

وعلم الطير أن يشدو على فننٍ

فحرك الشدو أشجاناً ووجدانا

وعلم النجم أن يسري وعلمن

من الدليل لمجرانا ومسرانا

إن كان غيرك يا مولاي علمه

فليأتنا بدليل منه برهانا

سبحانك الله لا علمٌ ولا عملٌ

لنا بدونك يا ذا العرش سبحانا

 

– لغة القرآن:

 

لغة القرآن يا شمس الهدى

صانك الرحمن من كيد العدى

هل على وجه الثرى من لغة

أحدثت في مسمع الدهر صدى

مثلما أحدثته في عالم

عنك لا يعلم شيئاً أبداً

فتعاطاك فأمسى عالم

بك أفتى وتغنى وحدا

وعلى ركنك أرسى علمه

خبر التوكيد بعد المبتدا

أنت علمت الألى أن النهى

هي عقل المرء لا ما أفسدا

ووضعت الاسم والفعل ولم

تتركي الحرف طليقاً سيدا

أنت من قومت منهم ألسن

تجهل المتن وتؤذي السندا

بك نحن الأمة المثلى التي

توجز القول وتزجي الجيدا

بين طياتك أغلى جوهر

غرد الشادي بها وانتضدا

في بيان واضح غار الضحى

منه فاستعدى عليك الفرقدا

نحن علمنا بك الناس الهدى

وبك اخترنا البيان المفردا

وزرعنا بك مجداً خالد

يتحدى الشامخات الخلدا

فوق أجواز الفضا أصداؤه

وبك التاريخ غنى وشدا

ما اصطفاك اللّٰه فينا عبث

لا ولا اختارك للدين سدى

أنت من عدنان نورٌ وهدى

أنت من قحطان بذل وفدا

لغة قد أنزل اللّٰه به

بينات من لدنه وهدى

والقريض العذب لولاها لم

نغم المدلج بالليل الحدا

حمحمات الخيل من أصواته

وصليل المشرفيات الصدى

كنت أخشى من شبا أعدائه

وعليها اليوم لا أخشى العدا

إنما أخشى شبا جُهاله

من رعى الغي وخلى الرشدا

يا ولاة الأمر هل من سامع

حينما أدعو إلى هذا الندا

هذه الفصحى التي نشدو به

ونُحيي من بشجواها شدا

هو روح العرب من يحفظه

حفظ الروح بها والجسدا

إن أردتم لغة خالصة

تبعث الأمس كريماً والغدا

فلها اختاروا لها أربابه

من إذا حدث عنها غرّدا

وأتى بالقول من معدنه

ناصعاً كالدُر حلى العسجدا

يا وعاء الدين والدنيا مع

حسبك القرآن حفظاً وأدا

بلسان عربي، نبعه

ما الفرات العذب أو ما بردى

كلما قادك شيطان الهوى

للرّدى نجاك سلطان الهدى

 

ما بين البدايات ، والرحيل ، ثمة تاريخ حافل سجله الشاعر الإماراتي حمد بن خليفة أبو شهاب – رحمه اللّٰه تعالى – ليس بما يتصل بالذات و الشخصي فقط ، و إنما يتصل بالوطن و الإنسان و النتائج منذ وقوفه أمام صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان – رحمه اللّٰه – و هون يقرأ قصيدته ، و حتى إسهاماته الجلية بعمل تاريخ شعري في الصحافة و الإذاعة و التلفاز .

 

 

و هكذا … ملامحه البدوية و سدادة رأيه و مواقفه و قوافيه وسيرته و عناوين أخرى كلها تدل على شخصية واضحة و جلية اسمها حمد بن خليفة أبو شهاب .

 

تأثر الشاعر كثيراً بالمتنبي و شغل في ذائقته حيزاً واسعاً لسنواتً طوال ، و كان لذلك أثراُ ايجابياً في حياة الشاعر ، حيث أصبح سيد الحكمة في القصيدة و كما أنه ظل محافظاً على هذه الروح ، و قابضاً على جمرة الأصالة في الزمن الاستهلاكي .

 

لم يكن الشاعر حيادياً بل قضى حياته بين صلابة الرأي و رقة التعامل مع الآخرين ، بين قوة الكلمة و رقة القافية ، بين رقة المفاهيم و مرونة الطرح و المعالجة بين حمد أبو شهاب و الشاعر حمد أبو شهاب الصديق و الإنسان ، ثم بين فصاحة الكلمة في القصيدة العربية و بين عامية اللهجة في القصيدة النبطية .

 

في كل هذه الأطراف دائماً هناك روحية شاعر لا يقبل بأقل من المحبة و الوضوح و الجرأة ، و لا يقبل بأقل من الانتماء المطلق لأهله و بلاده و أمته و دينه .

 

لم يكن الشاعر عابراً دون صوت ، لم يكن والداً دون أبناء الشعر ، ولا قدماً دونما اثر واضح. 

 

إنه الشاعر الذي سكن في الطابع ، يتابع الأغلفة و يصحح الأخطاء من أجل غيره ، و لكن من أجل بلاده و القارئ في كل مكان .

 

إرتبط الشاعر حمد بن خليفة أبو شهاب ارتباطاً كبيراً بالقصيدة النبطية و في هذا المجال نعود للعام ١٩٨١م حين أسس الشاعر صفحات الشعر الشعبي في جريدة البيان الإماراتية فكانت نافذة مهمة يطل من خلالها الشعراء على تراثهم و جديدهم في آن واحد ، و هي نافذة اللهجة الأم بكل الحنين و كل الدفء في العلاقات الاجتماعية و الثقافية . تلك هي قصيدة النبط أو القصيدة المحلية الشائعة في الإمارات و منطقة الخليج و البلاد العربية .

 

كان الشاعر حمد أبو شهاب أول من قدم مجالس الشعراء في التلفاز عبر تلفزيون الكويت في دبي عام ١٩٧١م ، وأول من نشر الشعر الشعبي في الصحافة اليومية عبر جريدة البيان الإماراتية عام ١٩٨١م ، و أول شاعر إماراتي تغنى إحدى قصائده في مصر ، فقد لحن و عنى قصيدته “عيد الفرج” على مسرح البالون في القاهرة في منتصف السبعينات و يعد كتابه “تراثنا من الشعر الشعبي” درة الكتب التي أصدرها فقد كان هذا الكتاب حصيلة جهد ٤٠ عاماً ، جمع خلالها قصائد شعراء متوفين منذ ٣٥٠ سنة و أكثر ، وقد طاف البلاد ليكون دقيقاً في الجمع و التدقيق و التحري .

 

كان الشاعر محافظاً على صلة أرحامه و كما كان و فياً لأصحابه فقد كان لديه جدول يومي للزيارات ينتقل خلاله إلى ٥ أو ٦ أماكن بالإضافة إلى الزيارات الأسبوعية ، و قد كان يشكو أحياناً من عدم مبادلتهم للزيارة ، و بعد وفاته لأم الكثير أنفسهم لتقصيرهم تجاهه .

 

تتلمذ على يد الراحل حمد أبو شهاب عدد من شعراء القصيدة النبطية ، وقد حرص تلاميذه على النهل منه للاستفادة من خبراته و توجيهاته . كان الشاعر حمد متشدداً عليهم و ذلك حتى يتقنوا الشعر و كما كان لا يجامل تلاميذه و كان صريحاً جداً معهم ، و أيضاً كان يطلب منهم دائماً أن يطوروا أنفسهم و يكثفوا قراءتهم حتى تكون كتاباتهم أفضل ، و كان الشاعر حمد أبو شهاب لا يثني على الشاعر في حضوره فقد كان يمتدحه أما الآخرين .

 

للشاعر حمد بن خليفة – رحمه اللّٰه – دور كبير في وسائل الإعلام ، فكانت له أساليبه الصحيحة للنقد ، لأن عند إشرافه على أية وسيلة يهتم بكونها مبدعة ، و ليس الإبداع وحده كان همه ، فقد كان صريحاً و غير متسرع في نشر ما يصل إليه ، بل كان يلقي عليه نظرة و يدققه ، و حرص أن لا تلمس القصيدة أي ركن من أركان الإسلام و لا تحمل عادة سيئة و لو بالتلميح ، مع كل هذا كان الشاعر رقيق القلب كالطفل ، و كان دائماً معتزاً بقصائده التي يتبادلها مع صاحب السمو الشيخ زايد – رحمه اللّٰه – و صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد – حفظه اللّٰه – ..

 

كان الشاعر حمد بن خليفة حاد الطباع و قد أتفق الجميع على ذلك ، و كما أنه غير متسامح مع الخطأ في اللغة و الشعر بالذات فقد كان سريع الغضب و لكنه مع ذلك رجل ذو شخصية صادقة لا يقبل الكلام غير الموزون خاصة إذا كان قصيدة و لا يقبل الكلمة الناقصة و لا يجامل من يخطئ .

 

كثيراً من الناس ما خلطوا بين صراحته وحدة طبعه ، و هذا جلب له الكثير من المتاعب الصحية و خلق له عداوات مع الآخرين الذين لم يفهموا على أي أساس يبني مواقفه ، فهناك أمور لا داعي للمجاملة فيها ، و كان يعترف أنه سريع الغضب و هو أمر يزعجه جداً ..

 

في الساعة العاشرة صباحاً من يوم الثامن من أغسطس و صل الشاعر إلى قصر الشيخ زايد في جنيف ، و جلس يتبادل الحديث مع الشعراء ، فقد دار بينهم الحديث عن العملية التي أجراها قبل سنوات لتغيير ٥ شرايين في قلبه ، حيث حدثهم عن نجاح تلك العملية و حمد اللّٰه تعالى أنه لا يشكو من شي الآن . ثم تمت دعوته إلى الحضور لمجلس الشيخ زايد ، فوقف الشاعر أمام الشيخ زايد – رحمه اللّٰه – فحدثه عن سيره الشيخ زايد منذ أن كان في العين ، و صفاته بأبيات من الشعر ، و كانت تلك من أفضل السير التي سردها أبو شهاب و دونها ، و قد قرأ حينها ٣ صفحات بثبات ، و ثم فجأة سقط على الطاولة ، فأسرع الحاضرون باستدعاء سيارة الإسعاف لنقله إلى المستشفى ، و يقال أنه أصاب بنوبتين في طريقه للمستشفى ، وأصيب بالثالثة في المستشفى ، و بقي تقريباً أسبوع في غرفة الإنعاش من دون أن يتحدث خلالها إلى أحد حتى انتقلت روحه إلى باريها في ٢٠٠٢/٨/١٩م.

 

ختاماً عزيزي القارئ هذا هو محمد بن خليفة أبو شهاب – رحمه اللّٰه – ، تعجز السطر على حمل صفاته وسيرته,عشق الشعر واخلص له فقد كان أول من قدم برامج الشعر الشعبي في التلفزيون و أول من نشر الشعر الشعبي في الصحافة اليومية و أشرف على إصدار عدد كبير من الدواوين الشعرية لشعراء النبط في الإمارات, وتسلم مناصب عديدة في الدولة من مثل عين وزيراً مفوضاً بوزارة الخارجية ثم عضو لجنة التراث والتاريخ ومن ثم تسلم إدارة مكتب وزارة الإعلام في الإمارات الشمالية,رغم كل هذا لم يقصر في أداء واجبة كأب إتجاه أبنائه.


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *