المشاعر طياره .. وطيّارها شهراني


المشاعر طياره .. وطيّارها شهراني



بقلم| الكاتب والشاعر/ محمد البكري:

 

من يمر بصفحات دواوين شعر النبط للعام 2017 .. ستمر عيناه على كل ما يُمكن أن يُسترق من النظر .. وستقرأ ما لذ وطاب .. وما يُمكن أن يسقيك العذاب .. وكل هذا قائمٌ على .. ما الذي وضعه لنا هذا الشاعر بين طيات هذه الصفحات ؟.

 

لعلني بهذه المقدمة استطعت الهروب ولو قليلاً قبل أدخل في عوالم شاعرنا لهذا المساء ، فسطوري اليوم ولدت بعد مجموعة من الأسابيع التي غرقت بها في بحور التفكير ، متضمنة مرحلة من الأسئلة كانت بدايتها .. كيف لي أن أبدأ الحديث عن هذا العملاق ؟ .. ولعل مقدمتي خصته بالذكر .. وإن أُسقط أسمه منها عمداً .. كي أحاول أن أذهب مع القارئ إلى أفق أوسع .. كما فعل هو بنفس القارئ عندما أصدر ديوانه ( على بابك ) والذي كان بدون منازع .. أكثر الدواوين مبيعاً في كل ركنٍ يحل به من معارض الكتب .

 

فهد الشهراني .. وفخامة الاسم تكفي أن تقول أننا أمام شاعرٍ أجبر كلمات المديح أن تتجه جبرياً نحو بوصلته .. وكأنه يقول لساحة الشعر: هذا هو زماني .

 

فهد الشهراني الذي قال يوما :

 

العمر بالتجربه ما هو بزود السنين.
وش فايدة عمره اللي ما معه تجربه.
،
يمكن يفيدك صغير السن .. عقله رزين.
والعود يمكن يضيع الحق لا مر به.

 

وأي صغير السن هذا الذي أجبر شعراء الساحة الشعرية كلها أن يصفقوا لإبداعه .. ويصفوه بالنضج .. قبل أن يكون كما هو الآن على كرسي القمة .. وما البيتين السابقين إلا عينة من رائعة ( العمر بالتجربة ) والتي كانت خاتمتها من أعظم ما يمكن أن تصف مرحلة العمر في حياة الإنسان عندما قال طير شهران :

 

هذي ثلاثين عام وعشتها مرتين.
واعربت ما يعجز أرباب الأدب تعربه.
،
ستين عمري الحقيقي في حساب الرزين.
أنا السنه عشتها عامين في التجربه.

 

فماذا يُمكن لك عزيزي القارئ أن تقول في شاعرٍ أختصر لك مسيرة الحياة كاملة في بيتين … أقترح عليك أن لا تعلق .. صفق فقط .. ثم أتبعني فيما سأقول .

 

فهد الشهراني الطائر المحلق في سماء الشعر ، والذي أستقى معجمه الثقافي من عدة روافد .. كانت خير داعمٍ له ولإبداعه .. سواء من خلال قراءة القرآن الكريم من جهة .. أو من التعطش الدائم لقراءة الكتب الأدبية والثقافية عطفاً على دراسته الأكاديمية والتي كانت داعماً غير مؤسس لهذه الموهبة .. والتي أكمل بناءها بالتشرب من ثقافة البيئة المحيطة والتي كان أعمدة ارتكازها بين منطقة الحجاز صبياً حتى جنوب الجبال والغيم شاباً يافعاً .. فنتج لنا مزيج فكري مميز تكون في القصائد ليظهر بتراثية الجنوب ممتزجة بحضارة الحجاز لنجد شاعراً مختلفاً عن سابقيه ولاحقيه أسمه فهد الشهراني .

 

ففهد الشهراني الذي قال يوماً :

 

يا خاطري ما يفيد الضيق والحسرة.
والحزن قتال لا هبت اعاصيره.
،
لا تحسب اللي جرالي من الهوى كسره.
الغصن عايش ولو طارت عصافيره.

 

وأنت والله كالغصن يا فهد .. والقصائد على أطرافك كما الطيور .. تحلق بعيداً .. ولكنها تعود وبشكل أجمل وأكثر نظاره .

 

ففهد الذي وصف الغصن منذ قليل .. حاد الدقة في عوالم الطبيعة الصغيرة .. فقد جعل من الغصن راية شموخٍ باقية .. ومواجهه بصمود رغبة الانكسار في الزيارة ، وهذا هو بالضبط ما فعله أيضاً مع ذلك الرف الذي أاتقاه فجأة في أحد المساجد وهو مليء بالغبار .. وكأن بيت الرف لم يجد زائراً منذ مدة .. فأشتعل الشعر حزناً قبل الشاعر ليقول :

 

هذاك الفخر يالرف العزيز اللي يشع ضياه.
وسط دار مليئه بالسكينه والطمئنينه.
،
لو تحس الرفوف اللي معاك بثقله ومعناه.
قصم ظهر الخشب من هيبته وانكسرت ايدينه.

 

لله درك يا فهد … فقد جعلت الجميع يلتفتون إلى الرفوف التي تحتضن المصاحف .. ليهتموا بها إكراماً لزائرها الذي تسكنه كلمات العزيز سبحانه وتعالى .

 

فما سبق لم يكن إلا صورة تبين جانب القرب من الله في جسد الشاعر والتي ترتبط دائماً بحبل ممدود بين قلب العبد وربه .. ولم تكن يوماً ممثلة باللبس أو بالشكل .. وما قصيدة ( يا ألاهي ) إلا خير كلمة ومعنى لما أقول .. عندما قال فهد :

 

يا ألاهي لو حلقت الدقن والثوب طال.
انت وحدك تعلم السر في القلب العليل.
،
يا ألاهي لو تغزلت في عيون الغزال.
وكان صوتي مركب الحان فبحور الخليل.
،
اتفاخر في خضوعي لربي ذو الجلال.
ساجدٍ من قبل شعري على بابه ذليل.

 

لله درك أبا سعد .. ولله در إبداع تقربك للباري عز وجل .. ولله در موهبتك التي أنعم الله عليك بها .. ولم تنتظرها لتقديم الشكر .. بل أخضعتها جبراً في نفس القصيدة عندما قلت :

 

يا كريم تعطي الأجر حتى للخيال.
لو تفكر في صنيعك وفي الليل الطويل.

 

ماذا يمكن أن يُقال بعد هذا وذاك .. وفهد الشهراني يجعل من الكلمات كمسبحة من البلور .. تتراقص بين أصابعه حروفها .. فتجعل المتلقي على رمانة ميزانٍ تفصل بين الدهشة والمتعة .

 

وبما أنني لا زالت واقفاً على بوابة الإقلاع لطير شهران .. فلن أفوت فرصة الاستماع بعد القراءة .. ماذا بك عزيزي القارئ .. هل أنت تستعجب حديثي .؟

 

لا تستغرب ولا تستعجب .. فأنت على متن طائرة يحلق بها فهد الشهراني .. ومن الطبيعي أن تجد كل ما يمكن أن يحمل إليك المتعة .، فإن كنت قد تناولت شيئاً منها بالقراءة فيما سبق من سطور .. حلق إذن .. ولا تنسى ( رائعة المسافر ) في طريقك .. لترى الصورة الذهنية للسفر بشكل مختلف .

 

نعم .. هي رائعة ( المسافر ) التي من الممكن أن أختم بها هذا المقال .. والذي آثرت أن يكون حديثي فيه عن شعر فهد لا صوته .. ففهد كما قال الشاعر ( في كلا الحالتين راهي ) ولكن تنويهي لرائعة المسافر بحكم أنها أحد أفضل خمسة أعمال إنشادية في السنة التي هبطت بها إلى أذن المستمعين .. فهذا العمل الذي أكتمل لحنا وتوزيعاً وقبل ذلك كلاماً .. تناولته جميع الآذان سمعاً مع الاستمتاع .. بدويتو مذهل مع الرائع جمعان الحارثي … وكيف لا وأنت تجد نصاً يبدأ بــ :

 

يا مسافر لديرته وقف على بابه.
شف باقي الوردتين اللي تحت بيته.
،
زرعتها العام يوم الوصل نحضابه.
واسقيتها كل ما جيته ومريته.

 

أجزم بأن كل من سمع هذا المطلع .. تمنى ولو كان ذلك المسافر العاشق الذي يقطع المسافات ليسقي الحب متمنياً بقائه رغم الظروف التي مرت بكليهما .

 

لن أستطيع أن أقول أكثر مما قلت .. فما قراناه شعراً هنا .. ما كان إلا أنموذجاً لروائع شعرية احتضنها ديوان على بابك للكبير شعراً وخلقاً فهد الشهراني …. ولا يمكن لي إلا أن أنهي هذا الحديث سوى بقولي .. صح لسانك يا فهد.

 

 


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *