سعدون الوفاء… وماجد العطاء


سعدون الوفاء… وماجد العطاء



[في الصميم]


بقلم| الكاتب/ بندر الفليت:

 

كثير ما فكرت في سياق قناعاتي الرياضية بأن لعبة كرة القدم أكثر من أن تكون رياضة ,وفي مقام إنساني بكل قيمها وأخلاقياتها، وكثير ما التقيت أجيال كروية ووجدت لديها ما هو أكثر من لعب الكرة, وإنما عناوين ضخمة لسير نبيلة وقدوات جميلة وشخصيات رفيعة ومميزة، لا يتوقف عطائها في المستطيل الأخضر أو الاعتزال وإنما يمتد ذلك إلى المجتمع كشعلة تضيء لكل موهوب طريق النجومية الحقيقية التي هي مزيج من الموهبة والفن الكروي والأخلاق الرفيعة.

 

ذلك المزيج لمسته خلال استضافة النجم الذهبي سعدون حمود في برنامج صباح الرياضية بعد غياب طويل عن الإعلام المرئي، ولكنه لم يغب عن ذاكرة الملاعب والرياضة والرياضيين فمن يخلف لقب (الشبح) يصبح عصيّا على النسيان، خاصة وأنه أحد نجوم الزمن الجميل, الذي كتب مرحلة من تاريخ الرياضة السعودية بحروف من ذهب بعد أن سكب العرق والمهارة من أجل رفع اسم السعودية ومنتخبها في المحافل القارية والدولية.

 

سعدون حمود الذي حلّ ضيفا كريما علينا في “صباح الرياضية” لم يختلف حضوره المميز عما كان عليه أيام النجومية والمنجزات عبر الكيان الاتفاقي ومنتخب بلده, فهو يمتلك من الطيبة والعفوية التي تتدفق براءة ونقاء وطيب معشر وحسن خلق وابتسامة شفافة صادرة من  قلب كبير وحب عميق لكل من زامله  من لاعبين وإداريين ومدربين وإعلاميين.

 

كان الحوار معه بمثابة محاورة على ذلك المستطيل الأخضر سكب فيها مهاراته الجميلة في الحديث، وكما هز الشباك من قبل فقد هز وجداننا بوفائه واحتفاظه بأعطر الذكريات، بكل التفاصيل التي لم تنس حتى عمالة النادي وهي تسهم في توفير بيئة مثالية لمجتمع رياضي يعطي فيه كل بحسب جهده وطاقته وقدراته.

 

ذاكرة سعدون حمود تحتشد بكل الأسماء والمواقف، لم تكن مثقوبة ليسقط منها اسم أو موقف نبيل، وذلك قمة الوفاء وروعة العطاء العميق الذي لم يعلوه غبار الأيام والسنوات، فكان أن تحدث بكل اعتزاز وتقدير عن مدربه الذي علمه سحر كرة القدم المدرب الوطني خليل الزياني واصفاً إياه بالجبل الراسي الذي نقش إنجازاته على ذاكرة الزمن.

 

تغنى كثيراً برفقاء الدرب والزمن، جمال محمد وزكي الصالح و صالح خليفه وحمد الدبيخي، وغيرهم من نجوم الذهب الذين حققوا الإنجاز تلو الآخر لفارس الدهناء، وصنعوا اسماً كبيراً وإرثاً عظيماً لهذا النادي صاحب الأولويات في الإنجازات الخارجية.

 

أشاد بأندية الشرقية رغم المنافسة الشرسة بين ناديه وتلك الأندية، بل إنه وصفهم بأنهم أبناء عمومة وأشقاء، وأن كل نادي من أندية الشرقية أسهم بشكل وبشكل آخر في نجاح سعدون حمود، ومن يكون هذا خلقه فهو جدير أن ترفع له القبعة احتراما وتقديرا.

 

لم يكف سعدون حمود عن دهشتي طوال زمن البرنامج، وأبهرني بذلك الحضور الممتع الذي أعادني معه إلى تاريخ لا يزال يقف ماثلا وكأنه حاضر من روعته وجماله وتفاصيل الدهشة الكبيرة، وقد واصل ذلك عقب انتهاء الحلقة ليبهرني بجملة عميقة تلخّص قيمة لاعب بكل إنسانيته ونبله ونقائه ووفائه.

 

ربما بسبب فضولي الإعلامي أردت مزيدا من الإثارة مع هذا الحضور المثير الذي مزج التاريخ بالحاضر، فكان أن سألت سعدون عقب ختام الحلقة ونحن نتناول الشاي قبل مغادرته مبنى تلفزيون الدمام عن الظاهرة و الكوكب ماجد عبدالله، فأجاب وقد طغت على وجهه أجمل ابتسامة (وكأنك تسألني عن والدي).

 

ربما بذلك اختصر كل شخصيته الرفيعة في ثوان معدودة، ولكني ذهلت وشدهت ولجمت من ضخامة الوفاء والنقاء وتقدير الإنسان لأخيه الإنسان، فليس هناك أروع من أن تضع رفيقا أو صديقا أو زميلا في مقام الوالد، ذلك تعبير معنوي فائق البلاغة والإحساس، ولكن تزول الدهشة حينما يكون مصدره نجم بحجم سعدون حمدون.

 

من يعرف ماجد عبد الله عن قرب يجده القدوة والأخ والأب والموجه للنجوم على مر الأيام، ولكن سعدون عكس صورة في غاية الاكتمال، وإذا كانت الصورة تغني عن ألف كلمة، فصورة سعدون عن ماجد كانت كذلك، فهي تتجاوز الشخصي الى العام لتقديم نموذج التقدير بين النجوم، وأن الرياضة أكثر من لعبة وإنما رسالة وأخلاق ونبل وجمال إنساني.

 

لم أشأ الاحتفاظ بتلك الصورة التي سجلتها في سنابي أن تكون خاصة، لما فيها من لمسة وفاء وأخلاق إنسانية رفيعة ينبغي أن تكون محل الاقتداء، خاصة وأن النجمين لديهما كثير من الحب في قلوب الرياضيين فقررت التغريد بتسجيل سنابي في تويتر فكان التفاعل الكبير مع المقطع وانتشاره عبر ملايين الأجهزة في أيدي الجماهير المحبة للوفاء والمحبة للنجمين الكبيرين مواكب تماماً لإدراكي بأهمية من ورد صورته واسمه بهذا المقطع القصير.

 

ذلك المقطع أصبح، في تقديري المتواضع، درسا رياضيا وإنسانيا يعلو بالوفاء كقيمة في حياتنا، هو درس بالفعل مدته عشر ثوان اختصرت كل شيء، وضعت سعدون وماجد في ذات الموضع العالي في القلوب، وقدمت نموذج القدوة الذي يجعل الرياضة سفارة إنسانية ومدرسة لكل قيمة وأخلاق سامية تسمو بكل نجم في وجدان محبيه.

 

 


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *