قصة التأريخ الهجري


قصة التأريخ الهجري



بقلم| فضيلة الشيخ/ د.أشرف الفيل:

 

ذكر ابن كثير في البداية والنهاية موقفا وفيه : أنه رُفع إلى عمرَ بن الخطاب صكٌ مكتوبٌ عليه دينٌ لرجلِ على رجلِ ويحلُ الدينُ في شعبان، فقال عمرُ : أيُ شعبانَ؟ أمن هذه السنة ؟ أم التي قبلَها ؟ أم التي بعدَها؟ ثم جمع الناسَ فقال : ضعوا للناس شيئاً يعرفونَ فيه حلولَ ديونِهم.

 

وعند ذلك الوقت أخذ الفاروق عمر يفكر في وضع تأريخ بصورة مختلفة عما كانت من ذي قبل فقد كانت العربُ في جاهليتها تؤرخ بأيامها وأحداثها الكبار ووقائعها العظام ، مثل عام الفيل وعام حرب الفجار وهكذا ،
واستمر ذلك في حياة النبي “صلى اللّٰه عليه وسلم” وخلافةِ أبي بكر الصديقِ وحتى بدايات خلافة عمر – رضي اللّٰه عنه – فأخذ عمر – رضي اللّٰه عنه – يتفكر في كيفية وضع التاريخ وبدايته حتى قدم عليه رجل من اليمن فقال رأيت باليمن شيئاً يسمونه التأريخ يكتبونه عام كذا وشهر كذا ، فقال عمر هذا حسن فأرخوا .وبذلك ظهرت له الكيفية في وضع التاريخ وأخذ في البحث عن البداية هل يبدأ التاريخ ببعثة النبي أم بهجرته أم بوفاته يقول ابن الأثير أن أبا موسى الأشعريَّ كتبَ إلى عمرَ – رضي اللّٰه عنهما – أنه يأتينا منك كُتبٌ ليسَ لها تأريخٌ ، فجمع عمر الناس للمشورة فاستشارهم فقال بعضهم : أرخوا كما تؤرخ الفرسُ بملوكها، كلما هلكَ ملكٌ أرخوا بولايةِ من بعده ، فكرهَ الصحابة ذلك ، وقال آخرون : بل أرخوا بتاريخ الروم ، فكرهوا ذلكَ أيضاً . ثم رأوا أن يكون تاريخُ المسلمين مرتبطٌ بهادي البشرية محمدٍ “صلى اللّٰه عليه وسلم” فقال البعض : من عام مولده ، وقال غيرهم بل بمبعثه ، ورأى آخرون من وفاته ، لكن عمر – رضي اللّٰه عنه – مال إلى التاريخ بالهجرة لأسباب منها أنها فرقّت بين الحق والباطلِ، ثم تشاور الصحابة من أي شهر يكون ابتداء السنةِ فقال بعضهم من شهر رمضان لأنه الذي فيه أنزل القرآن الكريم ، وقال آخرون : بل من ربيع الأول وقت مهاجرهِ ، وأختار عمر وعثمان وعليٌ – رضي اللّٰه عنهم – أن يكون ابتداءُ السنةِ من المحرمِ ، لأنه شهرٌ حرامٌ يلي شهر ذي الحجة الذي يؤدي المسلمون فيه حجهم الذي به تمام أركان دينهم ، ولأن إبتداء العزم على الهجرةِ كان فيه ، إذ البيعةُ كانت في ذي الحجةِ ، وهي مقدمة للهجرةِ ، وأول هلالِ هل بعدها المحرم، فكان ابتداء السنة الإسلامية الهجرية من شهر المحرم وسبب ميل عمر وعثمان للبدء بالمحرم بعض الاستنباطات لآيات القرآن فقد ذكر بعض العلماء أن في القرآن الكريم إشارة إلى ابتداء التاريخ الإسلامي بالهجرة وذلك في قول اللّٰه تعالى : { لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ }

 

ففي قوله (من أول يوم) إشارة إلى أن ذلك اليوم ينبغي أن يكون هو أول أيام التاريخ عند المسلمين، وهو ما فهمه الصحابة – رضي اللّٰه عنهم – فجعلوا ابتداء التاريخ الإسلامي من هجرة النبي “صلى اللّٰه عليه وسلم”.

 

وقال إبن الجوزي: (ولم يؤرخوا بالبعث لأن في وقته خلافاً ، ولا من وفاته لما في تذكره من التألم ، ولا من وقت قدومه المدينة وإنما جعلوه من أول المحرم لأن ابتداء العزم على الهجرة كان فيه إذ البيعة كانت في ذي الحجة وهي مقدمة لها

وأول هلال هل بعدها المحرم, ولأنه منصرف الناس من حجهم فناسب جعله مبتدأ قال ابن حجر معلقاً على هذا الكلام: وهذا أقوى ما وقفت عليه من مناسبة الابتداء
ولعل هناك سبب آخر وهو آخر ما نزل من القرآن على رسول اللّٰه “صلى اللّٰه عليه وسلم” وهو في عرفات قوله تعالى : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } ففهمها عمر وبكي وسأله النبي ما يبكيك قال إن الشيئ إذا أكتمل نقص !!! في إشارة منه إلى توقعه لوفاة النبي “صلى اللّٰه عليه وسلم” لذا فهم عمر – رضي اللّٰه عنه – أن إكتمال الدين وتمامه كان في التاسع من ذي الحجة وأول هلال بعده كان هلال المحرم فعده أول العام وأول يوم فيه مستنبط من قوله تعالى: { مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ } أحق أن تقوم فيه، هكذا كان فهم عمر والصحابة للتأريخ، ومن تلك اللحظة أجمع المسلمون عليه حتى يومنا هذا ولم يعدل عنه إلا كل منافق متبع لغيره وأولئك القوم الذين حكى – اللّٰه عزوجل عنهم – كما في قوله تعالى في سورة البقرة :

{ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ۖ } !!!!

 

المقال القادم – بإذن اللّٰه تعالى – نفتح ملف معنى الهجرة وأسبابها وأحكامها والدروس المستفادة منها فإلى اللقاء بإذن الله تعالى…


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *